Showing posts with label عوايدنا. Show all posts
Showing posts with label عوايدنا. Show all posts

Sunday, March 30, 2008

قناديل بنغازية - المولد النبوي الشريف




صــــــــــــــــــــــــــــــــلوا عليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه كمــــــــــــــــــــــــــــا ينبغــــــــــــــــــــــــــــي



احتفالية القلب


لم تكن أصابعي يا ليلى هي التي ترسم قناديل العيد، وما خطت أناملي أبيات المديح والابتهالات فوق بياضها، وما كنت انا من جهز (جريد النخل) لحمل أنوارها، ولا كنت من اعد حلقات تثبيتها، ولا أنا من أشعل شموعها، ولست أنا من أنشد أبيات المدح والفخر والدعاء، ولا أنا من خط قصائد البغدادية والمضرية و البردة البصيرية بين زخارفها، فما كنت في هذه اللحظة سوى ذاكرة لاحتفالية شوق وحنين تأسرني كل عام ما أن يقترب عيد مولد خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ، وما تمكنت من التخلي عنها رغم كل المشاغل والظروف، حتي في غربتي حرصت علي إحيائها، فقد كانت هذه الاحتفالية هي البلسم الشافي لأسقام النفس المثقلة بالأحزان ، وهي الكنز الأثير الذي أورثنا إياه جدي وأبي وأعمامي، رحمهم الله، ومازلت حريصة علي الاحتفاء به ونقله من بعدهم الي الجيل الجديد لأجسد من خلال هذا التقليد الجميل احتفالية للقلب تشي بجمال المحتفي به، وتبدع مهرجان محبة في الفخر بالرسول صلي الله عليه وسلم، وترتقي بالنفس الي اعلي مراتب هذه المحبة، وتجسد دلائل الترابط والصداقة وصلة الرحم بين الأهل والمعارف والجيران، فللعيد سحره، وأنا الآن مسحورة بطقوسه، أنا الآن امتداد لزمن صفاء البال وسماحة النفس، ويدي اليوم هي يد أبي التي كانت تخط أحرف نور في مدح خير البشر، قلبي الان هو قلب جدي الذي كان يحتوينا ويبث فينا قيم وأخلاق رسولنا الكريم ويملانا بفيض من عبق صداقة وألفة وفخار تجمع قلوبنا أبناء عمومة وعمات وأخوال، وابتهاجي اليوم وفرحي هو تجسيد لانتشاء عمي الاصغر بالعيد وفرحه بمواسمه، وانشادى اليوم هو صوته العذب الذي كان يقودنا في موكب مرح فرح صاخب يزودنا بكنوز من هناء البال يعين القلب علي أعوام العمر القادمة، انها احتفالية عمر تباغتني في كل عام ولا تتشابه مع ما قبلها، وفي كل مرة أكتشف فيها إسرارا جديدة تحيي هذه الاحتفالية تزيدها بهاء وتشويقا، وتزيدنا ترابطا أكثر، فمازالت يا ليلى النخلات تجمعنا تحت ظلها، ومازالت أبوابنا تفتح لاستقبالنا، ومازالت قلوبنا مملوءة بالشوق والعرفان لأهلنا، ومازالت قناديلنا مشتعلة تنير قلوبنا قبل دروبنا، وستبقى، وسأنقل هذه الاحتفالية للأحفاد لتظل تجسيد حي لمحبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وفيض من ألفة ترسي في قلوبنا محبة الخير والمرحمة، سأقاطع أية فكرة تمنع هذا الاحتفال، وسأقاتل عوامل النسيان لدى الجيل الجديد، وسأستمر صامدة أجاهد الجحود واللامبالاة كي يستمر مهرجان الترابط ولا ينتهي، سأواظب علي بث الشغف والابتهاج في قلوب الأحفاد مثلما أحياها أبي وجدي وأعمامي في قلوبنا، وسأستمر أشعل قنديل محبتي ما استمرت أيامي تشتعل بضياء الفرح والبهاء كي يتواصل مهرجان محبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في قلوبنا


سكينة بن عــــامر

Wednesday, September 19, 2007

عن الكسكسو في شهر رمضان




من التقاليد المعروفة في بنغازي والمدن الليبية الاخرى أن يوم الجمعة هو يوم وجبة الكسكسو(الكسكسي) على الغذاء لدى اغلب العائلات ويكون عادة كسكسو بالخضرة ولحم الضأن الوطني
في الافراح يكون الكسكسو بالتقلية وهي صلصة شرائح البصل والحمص والزبيب ويقدم يوم الرمي
كسكسو الحوت رائع لكنه غير منتشر اللهم الا لدى عائلات معدودة
للكسكسو رائحة تجلبك من اخر الشارع ، نحن نقول : رائحة نعمة

حين يفوح او يكوى بالسمن والقرفة والزهر عليك ان تعلن ليبيتك الصميمة وتحمد الله
لابأس جدا لو رافقه امسير ومصارين محمرات
في رمضان يعتبره البعض وجبة ثقيلة وداعية لطاسة شاي اخضر وتتكاية
لكن الاشتياق اليه في رمضان بعد ان تمل العين والبطن من الشقاشق والاغتراب الغذائي مثل الاشتياق الى الوطن حين تكون بعيدا
واكله وحيدا دون شربة او شقاشق مصاحبة مغامرة رمضانية رائعة
حين نكور حبات السميد مع الدقيق والماء والملح لنكون حبيبات الكسكسو فنحن نلملم الخير ونجمعه
حين نطهو الكسكسو فنحن نعجل بعودة الغائب
حين نرفع الغطاء عن الكسكاس ونشم بواخ الكسكسو فنحن نزيل ماعلق بأنفسنا من غيرة وشعور التممي
نحن كنا في زمننا الجميل نقول ببساطة وعفوية
كسيكسو ولحيمة عطيني منه لقيمة
نحن نطهو الكسكسو بالقديد وعظام العيد في رأس السنة الهجرية اتقاء للفتاشة التي ستأتي وتفتش بطوننا وحين لاتجده فيها ستضع بدله الاحجار الثقيلة
حين كنا نأكله بلهفة وخوف لم نكن نعترض ولم نتحد الفتاشة لأننا كنا نحب ونحترم عوايدنا وخرافات واحلام عيشنا البسيط الهانئ
قبل ان تدخل علينا المطابخ التجارية التي تقوم نيابة عنا بتجهيز طعام الافراح , كنا نجتمع قبل الفرح ونكسكس كميات كبيرة منه ونجففه فهل استروح احدكم اجمل من رائحته وهو يبوخ ويفوح ويعزل في القصاع؟
هل سيغري ما كتبت ان يشتهي احدكم كسكسو على افطار اليوم؟


افطارا شهيا وصياما مقبولا


ليلى النيهوم

photos credit: Laila Neihoum

اضافة رأيت اهميتها
اول مرة نعرف انهنك كسكسو يندار بالكرموس الاخضر! القصة اني لقيته في موقع اناقة مغربية وهو من المواقع اللي نتابع فيها لما فيها من اذواق وافكار جديدة ومن تعامل طيب بين المشاركات .. حسب المشاركة التي اسهمت به وهي الاخت محبة رسول الله حيث قالت انه كسكسو سوسي شهير ويطلقون عليه بلغتهم "الامازيغية" سكسو بايقوران او تاورمست يعني الكرموس الاخضر قبل ما يطيب حيث يوتخذ من الكرمة وينقص راسه للتخلص من الحليب الحارق اللي ممكن يشلشل الفم وينغسل وينحط في مرقة الكسكسو كيف ما تنحط الخضرة وتقول الاخت صاحبة المساهمة :" نتمنى يعجبكم ولكن بكل صراحة راه الد كسكسو تناكلو هو هادا ديال الكرموس خضر تيجي واااااااااااعر وغير جربوه خصوصا اللي عندو الشجر ديال الكرموس" وفعلا يبدو لذيذ ومش غريبة اللواحد يجربه خصوصا توا موسم الكرموس ومازال نصه ما طابش ... اخرى لاحظت ان المغاربة كيفنا نحنا عرب بنغازي يقولوا كسكسو المهم اهو رمضان عالابواب وشهية التجريب واردة والواحد مش خاسر حاجة
كل سنة وانتم طيبين 

Wednesday, March 28, 2007

مولد نبوي مبارك - قناديل بنغازية











قناديل الوسعاية . قناديل بنغازية تقليدية تشتهر بها( وسعاية عيت جدي) وتوارثناها جيلا بعد جيل . قبل الميلود قل بأسبوع ... زمااان .. كان الجميع يتجمعوا للبدء في التجهيز للموسم , يقطعوا الجريد من نخلات السانية السامقات فيختاروا اكثره استقامة يكشطوا عنه السعف ويساووا طوله ويشقوه من فوق الى اربع حتى مسافة معينة ثم يلفوا هذه المسافة بدائرة من (تل) سلك معدني ويحوطوا بها الاربع تفرعات لكي يبنوا بيت القنديل حيث ستوضع الشمعة وعادة هذه المرحلة الاولية تكون من نصيب فتيان العائلة لتوفر القوة البدنية لتسلق النخلة واستعمال الساطور ومن ثم شق الجريد وتدوير التل بالبينسة وتثبيته
ثم تأتي المرحلة الثانية وهي تنقسم الى اثنين : الاولى : لف الورق علي شكل (طربوش ) بمقاسات مناسبة ولصقه وتكون عادة من نصيب البنات وبعدها تأتي مرحلة الرسم حيث يتفنن ذوي موهبة الرسم برسم لوحات دينية ومن البيئة وجوامع وزهور بألوان رائعة وزاهية لتكون اجمل حين يضاء القنديل
وبعد ذلك يأتي دور اصحاب الخط الجميل ليخطوا على القنديل من الجهة الاخرى الاشعار والمدائح النبوية الرائعة وقد كان جدنا الكبير وهو جد امي رحمه الله من يتكفل بهذه المهمة من انتقاء المدائح من نهج البردة وهو ما اذكره- حيث لازلنا نتداول الكتاب حتى اليوم رغم اهتراءه - وغيره من الكتب ويخطها بخطه الجميل بالريشة والحبر الصيني . اليوم يقوم بهذه المهمة وعلى عجالة وبفرشاة والوان مائية من يملك ولو خطا يكاد يكون جميلا
في الاثناء يكون فريق اخر قد عجن الطين ليوضع في منتصف القنديل لتثبت فيه الشمعة
ثم يُربط القنديل على الجريدة ربطا محكما ويوزع على البيوت , بيوت اولاد الجد وعلى الاقارب والحفيدات والأنسباء والاصهار
ان متعة تجهيزالقنديل والتنافس في الرسم وفي الخط وفي اجمل قنديل وفي حب رسولنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اشياء مهمة كانت تربط اجيال متعددة ومتفاوتة ببعضها وبالمكان وبتبجيل الكبار والتمسك بالدين وبيبيئتنا العظيمة
كم كانت ايام جميلة اكتب عنها من القليل الذي شهدته صغيرة ومن ذاكرة امي ومما اسمعه دائما من حكايات قد لاتصدق اليوم.
اليوم يكاد هذا الطقس الديني الرائع ان ينقرض الا من مناضلة مثابرة محبة متمسكة بكل ماهو جميل ورائع من العادات والتقاليد والقيم
احكي عن الدكتورة والكاتبة الصحفية والباحثة والمدافعة عن البيئة سكينة ابراهيم بن عامر
الوحيدة التي لازالت محافظة على سنة اهلها وسبرهم لدرجة انها في رباطها العلمي بالقاهرة لم تقطع هذه السنة المباركة وكانت تصنع القناديل وتتحايل لتجلب مواد اعدادها وتوزعها على الذين تعرفهم هناك.
قبل الميلود بيوم ذهبت اليها لأشهد مراحل اعداد القناديل ولأخذ قرعة -نصيب امي منه وجدتها تشتغل بسرعة فائقة وفي مكان ضيق- شقتها- بعد ان ذهبت الوسعاية والذين كانوا يعمرونها رحل من رحل وتهدم معظمها واصبحت اطلال وبضعة نخلان هزيلات
كان الجريد مقطوع و(التلولة) جاهزات ويبدو ان الجهد العضلي كان من نصيب الدكتور تميم وتشهد بقايا الجريد والكماشات والشاكوش!! وقد كان جالسا وهشام يتنفسان الصعداء بعد ان زخرفا ولونا قنديلا لكل منهما ايضا !! وكانت الالوان المائية والفرش واكواب الماء وكتب المدائح النبوية مفروشة على طاولة الشغل .. والوقت ضيق والمشاغل كثيرة ولكنها تناضل لأجل ان يحصل كل بيت له اصل في تلك الوسعاية العريقة على قنديل يضعه في تركينة الباب ينور الكون
يقول :
ولد الهدى فالكائنات ضياء
وفم الزمان تبسم وثناء
الله
الله
نتمسك بك ياحبيب الله ياسيدنا يااشرف الخلق اجمعين
ونصلي عليك ونسلم تسليما
التقطت صورا سريعاورسمت بعض الزخارف لأحد القناديل واكلت حبات تمر وكوب حليب وتذكرت مع سكينة الايام الخوالي وتذكرنا الراحلين طفرنا لأجلهم دمعات حرى وترحمنا عليهم ودعونا بالخير للأحياء ولمدينتنا بنغازي ولبلادنا الحبيبة ليبيا
وودعتها خارجة محملة بقناديل الخالات وامي والجامع
على ان استعيض عن الطين بعجينة الدقيق فالوقت ضيق والمشاغل اخ المشاغل تكاد تلهينا عن انفسنا
ورجعت وانا اردد :
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
وانسب إلى قدره ما شئت من عظــــم
فإن فضل رســــــــــــول الله ليس لـه
حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفــــــــــــــــــم
يقول الشاعر أحمد شوقي بارك الله فيه فيما قال وهوليس بكثير في مدح نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم

وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَنــــــــــاءُ
وَحَديقَةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا بِالتُرجُمـانِ شَذِيَّةٌ غَنّـــــــاءُ
بِكَ بَشَّرَ اللَهُ السَماءَ فَزُيِّنَت وَتَضَوَّعَت مِسكاً بِكَ الغَبـــراءُ

فصلوا عليه وسلموا تسليما
حتى تنالوا جنة ونعيمـــــــا

مولد نبوي مبارك وكل العام وانتم بخير
ليلى النيهوم

Sunday, October 22, 2006

غابت البركة

لطالما حدثتني صديقتي الشاعرة الليبية خديجة بسيكري عن خالتها رحمونة تلك العجوز التي بمثابة ضمير اجتماعي اعرافي تقاليدي حي , عندما غابت امثال رحمونة غابت البركة وغاب وجهنا الجميل وصيتنا الطيب وسلوكياتنا الحميدة ستقول خديجة عن رحمونة ما يلي :


خالتي رحمونة

خالتي رحمونة امرأة ليبية مثل أي امرأة ليبية حقيقية مازالت تضع البمبوك عندما تسمع اول صوت ذكوري يدخل الدار لكنها تري ما نجهله ولو وضعنا عدسات مكبرة !!.
خالتي رحمونة وفي قول اخر (ارحمونا) تزور كل بيوتنا بدون استئذان ولا تحديد مواعيد تزم شفتيها عندما تجد (الدنيا حايسة وتفلي رؤوسنا اذا ما تجرأ احدنا وهرش شعره امامها .. وترمي الملعقة بغضب اذا زادت كمية الملح في الطعام عن المطلوب .
خالتي رحمونة اذاعة متنقلة وعين لاقطة لمكامننا واخطائنا .. لذلك ترتجف ربات البيوت ويغادرن كسلهن مهرولات عندما يسمعن طرقاتها علي الباب ودقة عكازها !!!! .
لذلك فان كل نساء حينا اصبحن يتبارين في نظافة بيوتهن وفي التفنن في اعداد وجباتهن وفي نظافة صغارهن .. وحتى متابعة دراستهم لأن اخبار نتائجهم المدرسية لابد ان تصل الي اسماع خالتي رحمونة عن طريق وسائلها الخاصة مهما تكتمنا واتخذنا كافة الاحتياطات !!!! ولانها تمتاز بصوت مجلجل فان كل اهل البيت الموزعين بين غرفهم تصلهم حيثيات الحوار الدائر في مجلسها لهذا تتجنب نساؤنا النميمة في حضورها (الخسار) علي رأي عجائزنا وهي اختصار لكلمة باختصار!!!.
خالتي رحمونة هذه فيروس اخلاقي يهدد عاداتنا السيئة من اهمال تربوي وبيئي ومعنوي وحيث ان الجميع يخاف من النشرة التي تبثها المذكورة فيرغم نفسه عل الظهور بمظهر لائق وحضاري والويل كل الويل لجارنا الذي سولت له نفسه ذات مرة مغازلة ابنة جيرانهم حيث انه اصبح عبرة لمن يعتبر ولم يعقه عن التزوج الا ان بيته مشيد بطريقة عصرية وليس خيمة يهد اوتادها ويرحل!!!غير انها بعد بيانها التنديدي الاول اصدرت نشرة تحليلية تفسر فيها سلوك الزوج واضطراره الى هذا السلوك المشين ضمنت فيه كثيرا من السلوكيات الخاصة باداب الزيارة وتقصير الزوجات تجاه ازواجهن والعديد من الظواهر الاجتماعية السلبية التي اضطرت الزوج الى مغازلة جارته!!!
أجيال وراء أجيال كانت في حياتها خالتي رحمونة او ارحمونا !! ترى ما الذي تقوله لنا في يومياتها وهي تنتقل بين ازقتنا ومدارسنا ومستشفياتنا وعياداتنا الخاصة ومحالتنا التجارية واماناتنا وشركاتنا ؟!

خديجة بسيكري – صحيفة الجماهيرية


وكنت قلت فيما يدور في نفس الفلك وفي صحيفة نور الفجر الالكترونية , اشياء عن عجائزنا الطيبات حاميات الاعراف والسلوكيات الحميدة غابن فليس مستغربا ان نضع تعويذات ونقرأ المعوذات لنتقي شر من لم تكن في حياة اسرته المرشدة رحمونا!


يحدث في شهر رمضان المبارك


يمر شهر رمضان المبارك بالبعض منسابا هنيئا مبهرجا , ويمر هكذا ايضا بالجميع .
رمضان الشهي التقي الورع , ومن ثم رمضان يبقى الدهر ونحن نذهب على دفعات في الدهر. ونقول تفاؤلا عادة انشاء الله من العائدين الفائزين.
ولرمضان قدوم مبارك وذهاب جلاب , يأتي بالعيد وبالفرحة المرسومة في عيون الصغار, الفرحة التي خلقت الذاكرة الحلوة التي نعود لها كبارا بين الحين والاخر في وقفات النفس على ذكرياتها الجميلة والأيام الخوالي التي هي - ولا ادري لماذا - افضل من الأن كما سيكون الأن افضل من الأتي.
فالذاكرة لعبة شقية وذكية . الوانها زاهية ومراياها مكبرة .
والذاكرة ايضا ضمير وحارس للتراث وللعادات والتقاليد . رمضان زمان كان جميلا وطقوسيا بدرجة كبيرة . نتحرك فيه بدقة شديدة . مبرمج ومنظم وفق اعراف متوارثة منذ القدم, يتهادى ثلاثون ليلة وثلاثون افطارا على ايقاع المدافع التي تسمع في اطراف المدينة دويا مكتوما .
قالت لي امي :اعجب لماذا اندثرت عادة انطلاق المدفع عند الافطار في شهر رمضان؟ كنا نؤقت عليه شهرنا وافطارنا . نرهف اذاننا لسماع دويه المكتوم ان كنا بعيدو المشقة وترتج الارض وتهتز السماء ان كان في الجوار. يُحيي شمس النهار الأفلة . ويعطي الآذن لتلقف حبيبات التمر وتجرع اللبن هنيئا مريئا محللين صيامنا وربنا لك صمنا وافطرنا .
والحديث عن العادات الرمضانية يطول وهو ممتع ايضا و انا من الاشخاص الذين لايملون منه كما ادون كل ما اقع عليه من ذاكرة اراها مهددة بالضياع.
صديقة لي شديد" التحشيش " رأيتها عاقدة الحاجبين , عرفت ان ثمة امر يزعجها , فهي تحب رمضان وتتفنن فيه عبادة وتقوى , وتكون فية صائمة ليبية بأ متياز شديد , افضل الافطار ما تصنعه يداها واشهى المذاقات على سفرتها الرمضانية , مخترعة بارعة لموضات الشقاشق الرمضانية , ما ان تطلق احدى اختراعاتها في احدى اللمات الرمضانية الأ وتنتشر في المدينة كالهشيم لتصبح بعد اسبوع على كل سفرة ومدونة في كل نوتة رمضانية اعتادت نسوة بنغازي والبنات في تدوين محتوياتها قبل رمضان بشهر حين تبدأ حمى الاستعداد له وتفوح رائحته في هواء المدينة مع نسيم بحرها العليل الا قليلا لتمتلئ النوتة حتى اخر صفحة فيها مع تقدم الشهر وتلاقي النسوة من لمة رمضانية الى اخرى في بيوتات المدينة العامرة .
وكنت دائما اراها منهمكة في الاعداد لرمضان وشراء لوازمه وكم تدقق مليا في انتقاءها , لاترضى بغير الممتاز منها ولو كلفها الامر جولات مكوكية في ارجاء بنغازي بين متاجرها التي تتنافس في عرض افضل ما لديها وجلب حتى لبن العصفور ان كان طلبا متفق عليه. سنتها دقيقة ومِِؤكدة وانشالله لا تنقطع .

- مابك ؟ لا اراك كما كنت اراك من قبل ؟

سألتها وانا ارى تغيير ما عليها . شيء ما ينقصها . صورتها غير مكتملة.
قالت:

" انا تعبة , وكلي سأم وملل وكلل. فقدت القدرة على استطعام الاشياء.
ارى ان لامفر من الانحناء حتى تمر عاصفة رمضان الموسمية الهوجاء .
ليس رمضان ربي ما اقصد , حاشاه , انما رمضان الناس الذي شكلته بطونهم .
اتأمل يدي المتشققتين واناملي المتورمة واظافري المتقصفة واترحم على جدارتهما القديمة بدعايات المانيكير وكريمات الترطيب.
ولت ازمان النعومة وانشبت مخالب البوطاس وانياب الصوابين فيهما الجفاف والخشونة , اشلاء مخلوقين غريبين بعشرة ملامس مكدودة يئنان طيلة الليل وينبضان وجعا , وتلهج عروقهما النافرة بالسخط والتمرد.
بالامس كانتا في معمعة المعدنوس واطنان اللحم والعجائن ومايلزم . اثنتان تعملان وردية ملاكم وقاطع احجار وحامل اثقال وكيميائي احماض وجزار وكواش وحلواني ومدير مطعم مافوق الخمس نجوم وسفرجي شديد الحراك وراقص مكانسي وغاسل اتوماتيكي عتيد وعتال ومتعالج بالصدمات الكهربائية وملمع ارضيات بارع وجامع قمامة يومي ورياضي ايروبيكي ومتلقي امتعاض وسؤ تقدير وململم شعر وعاقد مناديل رأس ولاحول ولاقوة الا بالله".

رباه !
كدت انقلع من قوة عصف سخطها . ليست هي من يتكلم : عاشقة شهر رمضان بلا منازع ؟ مرسخة العادات الرمضانية المستحدثة , الآتية بالجديد والشهي واللذيذ . التقية الورعة الأخذة بالأمور الى نصابها , اول من صلت التراويح في الجامع وهاهي المدينة على غرارها تخرج نساؤها زرافات بعد الافطار لصلاة التراويح وللتلاقي وللتعارف وللتغيير. ثمة شيئ يحدث لها . هذا السخط وراءه ما وراءه . لعلها استنفدت نفسها ووصلت الى اخر مطاف اقبالها على الحياة ومباهجها . الشكوى عادة سببها الشعور بالاهمال او الاحساس بالضياع اوبعدم الجدوى حين لاتلاقي جهودنا وفرحتنا واقبالنا مرآة محبة تنعكس فيها صورتنا رائقة وجميلة.
الناس تتغير , والزمن يتغير . والمفاهيم كذلك , والعادات الجميلة تنقرض تدريجيا لتحل غيرها سواء شئنا ام امتعضنا , لا نحس بها الا حين نتوقف مرة لنبحث عنها في لحظات توقف فلا نجدها لنعرف ان شعور الضياع الذي يراودنا احيانا سببه اشياء لم تعد في مجال رؤيتنا لم نعد نحتك بها يوميا ,او ندرك وجودها بدون ان نقف لتأملها لتلقائيتها و.....
نحن كبرنا نكتشف ذلك فجأة
كلما ابتعدنا عن طفولتنا وصبانا وشبابنا كلما فقدنا القدرة على هضم الجديد.
والمدينة الآن تخلق ذاكرة ليست ذاكرتنا , تخلق ذاكرة اطفال اليوم وشبابه , ترتسم في عقولهم ليجدوها حين يكونون في عمرنا وعمر من يكبرنا سنا.
المدينة تتغير مع تغير الحراك الاجتماعي والاختلاط البشري ووفود العادات والتقاليد الجديدة مع القادمين ومع الجيل الجديد الذي انقطعت صلته مع عقود مضت , وتوثقتت صلته مع الفضائيات التى تقوم مقام التربية الاجتماعية منها يستقي افكاره وهندامه وشكل بيته وسيارته واسلوب تعامله مع الحياة في اسلوب هجين غريب.
ايضا كما قال امامي احدهم مرة وعلق في نفسي تحليله مفسحا مجالا للتأمل الاجتماعي العميق .
قال:
"اتعرفون لماذا فقدت مناسباتنا نكهتها , وفقدت طقوسها المألوفة واصبحت لا هي بالليبية ولا بالعربية في اضعف الاحوال, ودخلت عليها تأثيرات من كل الاصقاع ؟؟
لأن عجائزنا الطيبات الوقورات حاملات الاعراف ومرسخات القيم وناقلاتها وسط الخراريف في ليالي الشتاء الطويلة , حاقظات الذاكرة الجماعية , وتاريخنا الشفوي وادابنا وعاداتنا وتقاليدنا في تناقص ملفت .
انظروا في المناسبات وليعد لي احدكم كم فيها من عجوز ليبية موشومة ورصينة وسمحة اللبسة والتهنديمة بألوان رداءها الليبي الزاهية والجميلة؟
لقد غابت بركتنا , عجائزنا بتوجيههن اللطيف وغير اللطيف احيانا , "بتشقيصهن عالغلط" وبوقوفهن واشرافهن وتوجيههن , كانت كلمة "كسبس" ! مع رفعة حاجب ونظرة شزر كفيلة بتفتيت الغلط والارتداد عنه.
قل ذلك بغياب بركتنا فمنهن من توفاها الله ومن اقعدها المرض عن اداء واجبها الاجتماعي وبالتالي ومع تمرد الاجيال اللاحق ة: احيانا في العقود السابقة وفي المطلق في العقدين الاخيرين على كل ما يحملن ويرسخن من عادات محلية شديدة الخصوصة بالمدينة وعربها في ظل انفتاح العالم على بعضه في عولمة اصبحت تلقي بظلالها على كل شيء , مد مقدر لا مفر منه اخذت حياتنا تتغير.

فعلا معه حق . وايضا مع الاجيال الجديدة الحق ايضا , فعليها ان تعيش زمنها بتحولاته وحراكه , حتى وان اختلف مع زمننا كما اختلف زمننا مع زمان سابقينا .
ليلى النيهوم - صحيفة نور الفجر