Showing posts with label قراءات. Show all posts
Showing posts with label قراءات. Show all posts

Tuesday, October 20, 2009

الحب يبدا في الشتاء



الحب يبدأ في الشتاء



الحب يبدأ في الشتاء مجموعة قصصية للقاص والصحفي الويلزي سيمون فان بووي صادرة في يونية 2009 عن دار نشر بيوتيفل بوكس تقع في 352 صفحة . تحكي قصص المجموعة الخمس حكايا شفيفة عن الحب والفقد والتوق و الحالات العصبية والنفسية التي عادة ما تترافق مع حالة الوقوع في الحب خاصة ان كانت احدي شخصيات القصة هشة نفسيا او ممسوسة عصبيا. ففي لحظة اليأس المطلق والتعلق بالاحلام التي لاتتحقق، وبالاشخاص الذين اختفوا من حياتهم منذ زمن. تمضي شخصيات المجموعة في شوارع القصص الفائقة الجمال حتى تصادف غرباء يجعلونها تواجه مسئولياتها تجاه اقرب الناس لها، اولئك الذين اعتقدت الشخصيات انها استأنفت حياتها بدونهم
يملك سيمون فان بووي معرفة ثاقبة في حالات التوق المعقد التكوين والمخرجات في ثنايا قلوب البشر، فهو يسردبشفافية ورشاقة اسلوب، تأملاته القصصية تلك،نرى ذلك القصة الرائعة" التماثيل المفقودة" حين اجهش الدبلوماسي الشاب" ماكس" بالبكاء على حافة ساحة سانت بيترس في روما عندما انهالت عليه ذكرياتطفولته في لاس فيغاس. كذلك قصة "مجيئ ورحيل الغرباء" وهي قصة اجيال متعددة تحكي البطولة والمآساة والحب والعائلة التي تعثر على جذورها في شخص والتر الغجري الروماني الايرلندي الذيوقع في حب فتاة كندية يتيمة. تبدا القصة عندما يخاطر الغجري بحياته من اجل انقاذ طفل من الغرق ، ليرث منه ابنه خصاله النبيلة تلك بعد عقدين من الزمن، لندرك انليس توم ليس فقط ذاك المتلصص الذي يمضي الوقت ممسوسا بالتجسس على البنت التي يهواها
كما ينحو سيمون فان بووي الى مزج اشد اللحظات الانسانية رهافة مع اعنفها حين تشتد الانفعالات الانسانية في لحظات الفقد حتى حافة الجنون، مثلما حدث في القصة التي تحمل عنوان المجموعة القصصية " الحب يبدأ في الشتاء " عندما قطع والد حنا يده اثر وفاة ابنه
وصلت هذه المجموعة القصصية المتميزة الى القائمة النهائية لجائزة فرانك اوكونورالايرلندية الدولية للقصة القصيرة لعام 2009 وكادت تنالها ، الامر الذي اعطاها دفعة دعائية كبيرة تنضاف الى اسلوبها الانيق ومافيها من فيض عواطف جياشة ومفاجآت غير متوقعة ، فالكاتب فذ في الامساك بعنان قصصه وانفاس القراء لحتى يصل بهم الى النهايات اللامتوقعة التى اشتهر بها حتى اصبحت متوقعوجودها في نهايات قصصه
. كما يخالجنا احيانا الشعور أن القاص بدا قصته في ذهنه وما ان انساقالى تدوينها حتى انقلبت الى قصيدة بدون ان تفقد قوتها السردية ، فمجموعته الحب يبدا في الشتاء هذه عرض شائق شديد الوضوح لقواه الابداعية وهي بالاخص تركيز سردي حول الاحساس بالشيئ اكثر منه حول حدوثه
تعد موضوعة الحب بكل تمظهراته لدى البشر تيمة اساسية في كل اعمال الكاتب فقد سبق وان صدر له مجموعة قصصية اخرى تحمل عنوان" الحيوات السرية لإناس واقعين في الحب" وكذلك كتاب تحليلي تحت عنوان "لماذا نقع في الحب"
ولد سيمون فان بووي في لندن ونشأ في ريف ويلزوفي اكسفورد. لعب كرة القدم في كنتاكي ، وعاش في باريس واثينا. تحصل عام 2002 على درجة ماجستير في الفنون الجميلة وعلى جائزة هـ . ر هيس للشعر. ظهرت مقالاته الصحفية في عديد الصحف والمجلات منها النيويورك تايمز ونيويورك بوست حيث يعيش الان في نيوييورك سيتي ويحاضر جزء من وقته في مدرسة الفنون البصرية وفي جامعة لونغ ايلاند
ترجمت اعماله الى عديد اللغات . وفي النهاية يظل اجمل ما قيل في حق هذه المجموعة الرائعة ما جاء في عرض لوس انجلوس تايمز لها : "ينتابنا القلق الان ، فبعد قراءتنا للمجموعة وتعلقنا بها ما الذي سيقدمه سيمون بعد! أيكتب شيئا اطول؟ أيتبنى كتابة شعر الهايكو؟ ايرتحل في العالم مثل اي صوفي "سادهو" لعقود مرسلا لنا كتبا اخرى في منتهى البهاء كأنها بطاقات بريدي
ة مرسلة من جنة عدن؟
ليلى النيهوم

Tuesday, June 16, 2009

كنوزهن العائلية - Their family Treasures



لا اخفي عليكم انني اعشق الطبخ الى جوارهواياتي الاخرى من كتابة وترجمة ورسم وتصوير فوتوغرافي و استنبات وزراعة الازهار!! فأنا خليط منها مجتمعة!! ولاتستقيم الحياة وتنقشع غيومها اللا في حالة بقائي في قطر دائرة تجمع هواياتي تلك معا
في غرفتي القديمة في بيت اهلي املك من كتب الطبخ الكثير ولا يخلو كتاب منها من تصحيحات وتعديلات كما لم يخلو صباي وشبابي من تجارب في الطبخ آنت منها بطون اهلي وصديقاتي بداية ومع التدرج في الخبرة ارتاحت لطبخاتي ذات البطون :) كان التجريب هو بداياتي لكل ما اتقنت في حياتي ، ولم تنجو حتى كيكا التي لا تلقي بالا للأكل الا في حدود مسلوقة جدا بما يكفي لكي تكف معدتها من ازعاجها عن الاستمرار في الدوران في ذات الحلقة اليومية المرهقة - لم تنجو هي الاخري من تذوق تجاربي القاتلة في ظنها لأستنباط نكهات جديدة لم نألفها من قبل
في بيتنا الصغيرهنا في لافاييت اكتضت الادراج والمكتبة الصغيرة بكتب الطبخ وديكور الوجبات والبوفيهات وغيرها من فنون الطبخ اقتنيها الى جوار ما اقتني من روايات اشتهيت قراءتها منذ زمن

ولم تنجو صديقتي العزيزة المهندسة الرائعة سناء بن موسى ايضا من شغفي بكل جديد في كتب الطبخ وتجارب الاخرين فكانت ان ارسلت لي كتاب طبخ رائع من اعداد اعز صديقاتها وهن خمس نساء رائعات تجمعهن علائق الاخوات وزوجات الاشقاء وربما السلفات ايضا اجتمعن بحكم هذه العلائق في مطبخ واحد وفيه حاولن استعادة وعملن على استمرارية فوح طعم الوطن وطعم ماخبرنه في كندا من صنوف اكل غربية ومهجرية متعددة ضمن هذا الكتاب
مع كل طبخة اعددنها واجتمعت العائلة عليها ، تتارت القصص عن الجبل وعن الضيعة والجد وعن الروشة وعن شوارع بيروت وطرابلس
اذ ان للأكل علاقة وطيدة بالوطن وان بُعد ولي انا ايضا علاقة وطيدة بما جاء في كتاب تلكم النسوة الخمس الصغيرات وان ضُئل، فثمة خيط يجمع جزء من تراث مطبخ اسرتي بمطبخهن اللبناني
فاطمة عياش سرحان وفتاة عياش حمود وايمان عياش عمر وكفاح عبدالله عياش ونانسي قطريب عياش نسوة صغيرات لبنانيات فتحن صندوق العائلة وغرفن منه وصفات مالذ وطاب من اشهى واحب الاكلات المتوسطية واضافة الى ما استلهمنه من اكلات غربية بحكم المولد والاقامة بكالغاري في كندا ووضعنه في كتابهن
" كنوز عائلتنا"
وصلني الكتاب والشكر للعزيزة سناء- عبر البريد وحل صباحا منذ ايام ضيفا على مكتبتي انيقا مجلدا سميكا ومتخما بكل ماهو شهي ولذيذ وبالدرجة الاولي صحي
توقفت كثيرا امام الكتاب اتأمل في فكرة اجتماع الخمس نساء على فكرته وتخيلت جهد التجميع والتصوير والتعديل والتنقيح وسط مرح الاطفال وتشجيع الازواج واستشارة خبيرات العائلة اعجبنتي قصة كيف بدأن صغيرات يشاركن الامهات وان لهوا بالعجين ومن ثم بالمشاركة والمساعدة في المطبخ لحتى عشقن دخوله والبقاء فيه لأجل الوصول الى درجة القبول بما يطبخن ومن ثم الوصول الى درجة استحسان الذائقين وهي اعلى درجة يصلها طابخ
ان يسألك ضيف ما هذه الاكلة ومما تتكون ولو سمحت اريد مقاديرها فتلك نجمة نجاح توضع على مربع ذلك اليوم في روزنامة ايامك
كما قلت الكتاب متخم يفتتح بك بأهداء الى الاهل والاصهار والى الاطفال ومن ثم يدخل الى اصناف الاكل عبر ابواب متعددة اولها بطبيعة الحال المقبلات ليأتي الحمص بطحين في مقدمتها فتقلب الصفحة باحثا عن اثيرك الباباغنوج تدقق في مقاديره ان كانت كما التي تعرفها تتوقف قليلا امام القرفة تستغرب وجودها بين المقادير فعلاقتك بالقرفة في حدود اكلات معينة لاغير لسطوتها على باقي النكهات غير انك لا تستغرب الاستعانة بها فلكل شخص ومطبخ النكهة التي تروقه اكثر وما تربى عليه والشقيقات لم يقلن اكثر من ان مطبخهن من تجاربهن ومن موروث عائلاتهن وهذا اجمل مافي الامر اليس احيانا يمل المرء من طعم مطبخه ويستدير للمطاعم وموائد الاصدقاء سعيا الى نكهة جديدة
لم تنس- الشقيقات -ادراج وصفة البوب كورن - السبول بالكريم كراميل - اجببت ذلك فانا ابحث عنها وافضل ان اخذها عن يد اعتادتها
كذلك لم ينسين ادراج انواع الشاي وانواع القهوة من عربية وسعودية وثمة شاي مخصوص للنفساء ولمن يحضر للمباركة بالمولود ولا ادري ان كان اسمه : آينار ام عينار وان كنت ارجح الاسم الاول وهو شاي متبل بالقرفة والزنجبيل والكمون الحلو وحبة البركة وجوزة الطيب والقرنفل والجوز والسكر او العسل مما يمنح القدرة للنفساء على استعادة قواها بعد الولادة
طبعا لم يخلو الكتاب من الفتوش والتبولة والفتة وبيلاف البرغل والرز والاهم ورق العنب - ابراك عنب كما اعتدنا في اسرتنا - وايضا المجدرة والرز بالسبانخ - طبيخة سباناكا كما نعرفها - مع فارق خلو وصفتهن من اللحم وكذلك المقلوبة اللذيذة المفضلة لدي والكبة بانواعها مع عدم اغفالهن وضع ملاحظات في الهامش عن كيفية الحصول على البهارات المعينة او عن ابدال نوع مكسرات بأخر وما اليها من ملاحظات تهم مستعمل الكتاب وتوضح له سبل تحقيق الوصفة بنجاح
يُلاحظ في الكتاب خليط الثقافات بحكم الجوار وروابط الاغتراب والمتوفرات الشرقية في المحلات المتخصصة بها فتجد وصفات سعودية واخرى ايرانية وبالذات خبز النان الذي اعتدنا استعماله هنا وانواع بهارات مختلفة لتعزيز النكهات المعتادة
ولعشاق الحلويات وانواع البسكويت فصل كامل محمل بكل انواعها من شرقية وغربية وقد لفتتني به وصفة اكواب الكرز في جدتها من ناحية كونها شكل مبتكر للتشيز كيك وكذلك في سهولة اعدادها
وعن البقلاوة والشعيبيات والمعمول والغريبة والكنافة والكعك والقطايف فحدث ولا حرج وخصوصا وان "بنة " رائحة شهر رمضان الكريم في الهواء كما نقول في ليبيا
تصفحي للكتاب الان - وانا اعد قراءتي هذه لكم - قاد شهيتي لما سأعده اليوم على العشاء حيث سيكون خليطا من الليبي واللبناني الشهي
:)
شكرا لك عزيزتي سناء بارك الله فيك
والف مبروك بمناسبة صدور الكتاب وشكرا لكن فاطمة وفتاة وايمان وكفاح ونانسي على تجشمكن عناء ارسال الكتاب الى رغم انني تمنيت لو كان عليه اهداء منكن بخطكن للذكرى
لكن ارساله لي لمسة رائعة واكراما طيبا للعزيزة سناء
بالرابط المزيد عن الكتاب وبعض الوصفات وصور لبعض الاكلات لمن يرغب في المزيد و لمن يحب اقتناءه



ليلى النيهوم

Thursday, October 30, 2008

رسالة الى ابنتي - كلمات في الحكمة من الشاعرة الافروامريكية الكبيرة مايا انجلو



الشاعرة الافروامريكية مايا انجلو (NBC) اشاهد اللحظة الآن علي قناة
تبتسم للكاميرا بين الفقرة والاخرى حتى تحين فقرتها في برنامج الصباح
هذه الشاعرة تعد واحدة من اعظم الاصوات الادبية الشعرية المعاصرة عاشت حياة مفتوحة وهاهي تتحدث عن حقيقة تجاربها مع العنف المنزلي وتقدم نصيحتها للنساء قائلة انهن يجب ان يغفرن اولا لأنفسهن ما حدث لهن من عنف معنوي وجسدي وانها لا توجه الكلمة للنساء فقط بل للرجال البيض والسود معا فلا داعي لأن يسيئ الانسان اكثر الى نفسه اكثر مما حدث له ... غادروا بيوتكم في الحال ولا تعودوا تلتفتوا للخلف ولا تعودوا لبراثن معذبيكم

التفتوا الى الاشخاص الذين يملكون قلوبا طيبة وابتسامات عريضة على وجوههم السمحة

ومايا انجولو حين تحدثت عن العنف المنزلي تحدثت من واقع تجربتها الشخصية كانت هذه تحيتها الصباحية للنساء اللاتي يفتقدن القدرة على الفكاك من اوضاع صعبة ويفتقدن الجرأة لأتخاذ قرارات حاسمة وكان برنامج الصباح موجه اليهن وخصوصا مع انتشار ظاهرة العنف المنزلي في امريكا
انتهت الجلسة السريعة مع مايا انجولو بأهدائها كتابها السيروي الجديد : رسائل الى ابنتي الصادر يوم 23 سبتمير 2008 عن راندوم هاوس

كتاب رسالة الى ابنتي عبارة عن رسالة طويلة تحكي الشاعرة مايا انجولو عبر فصولها لأبنتها عن تجاربها مع الحياة والعنف والتشرد
تقول مايا انجلو في مقدمة الكتاب الذي وصلت اليه عبر البحث في العزيزة قوقل في موقع موبيبوكيت
في مقدمتها تقول مايا انجولو موجهة كلامها الى ابنتها وهي التي ليست لها ابنة وتعد الجميع بناتها
ابنتي العزيزة اخذت هذا الرسالة مني وقتا عظيما للملمة اطرافها . لقد عرفت طيلة الوقت انني اردت ان اخبرك مباشرة عن الدروس الحياتية التي تعلمتها وتحت اي ظروف تعلمتها

كانت حياتي مديدة ، ولإدراكي ان الحياة تحب المغامرة فقد تجرأت على تجربة كل شيئ وانا ارتجف هلعا احيانا ، مع ذلك تجرأت . انني اضمن هذا الكتاب فقط الاحداث و التجارب التي وجدتها مفيدة . ولم اخبرك كيف استفدت من النتائج ملعرفتي كم انت ذكية ومبدعة وواسعة المدارك كفاية كي تستعملينها بما ترينه مناسب
ستجدين في هذا الكتاب حكايات عن ترعرعي وصباي وعن الاحداث الطارئة في حياتي وبضعة قصائد وحكايا طريفة لأجعلك تضحكين واخرى لأجعلك تتفكرين مليا

كان ثمة اناس في حياتي قصدوا الخير لي وعلموني دروسا قيمة وثمة آخرون تعمدوا ا اذيتي واشعروني صراحة ان عالمي ليس في الواقع مريحا وسلسا

لقد كانت لي اخطائي وليس غريبا ان اقترف المزيد منها قبل وفاتي ، عندما رأيت الالم وعندما وجدت ان فشلي سبب لي الاحباط تعلمت ان اتقبل مسئوليتي وان اسامح نفسي اولا ومن ثم ارد الاعتبار لأي شخص جرحته بحساباتي الخاطئة
قد لا تتحكمين في كل احداث حياتك ولكن بقدرك ان تقرري تخفيف وقعها عليك. حاولي ان تكوني قوس قزح في سحابة احدهم . لا تتذمري. افعلي المستحيل كي تغيري الاشياء التى لا تحبين . ان لم تفلحي في ذلك غيري طريقة تفكيرك

لا تنتحبي قط . حتى لايعرف المتوحش ان ثمة ضحية محتملة في الجوار

كوني اكيدة ان لا تموتي قبل ان تقدمي شيئا رائعا للأنسانية

لقد انجبت ابنا واحدا ولكن لدي الاف البنات . كلكن سود وبيض على السواء ، سواء يهوديات اومسلمات ، اسيويات اولاتينيات ، من الهنود المحليين او الإلوت. سمينات كنتن ام رفيعات حسناوات ام عاديات ، مستقيمات ام خاطئات متعلمات ام جاهلات فأنا احكي لكن جميعا. فهاهي نصائحي لكن

ولدت مايا انجولو في سانت لويس بميسوري عام 1924، انتقلت في الثالثة من عمرها الى ستامبس بأركنساس ومن ثم انتقلت في الثالثة عشر من عمرها لتعيش مع والدتها في سان فرانسيسكو. بعد الدراسة في نيويورك تنقلت بين كل من باريس والقاهرة وغرب افريقيا وفي كل ارجاء الولايات المتحدة

اهدت مايا كتابها الى بعض النسوة اللاتي منحنها حنان الامومة في الايام الحالكات وفي الايام المشرقة

واهدته ايضا للمرأة التي سمحت لها ان تكون ابنتها دائما واليوم

ومن ثم اهدته لنساء لم تلدهن وان سمحن لها ان تقوم بدور الامومة تجاههن منهن اوبرا وينفري الشهيرة

يتضمن الكتاب من 28 فصلا تحكي كل شيئ امكنها حكيه من تجاربها

مايا انجلو هذه السمراء المفرطة الطول صاحبة الصوت الذكوري الاجش التى اصبحت اما في السادسة عشر من عمرها ومغنية عالمية وراقصة في عشرينياتها ومعلمة في ثلاثينياتها وكاتبة سير وشعر في اربعينياتها ومابعدها هي اول شاعرة افروامريكية تلقي شعرا في حفل تنصيب رئيس امريكي : كلينتون كما انها تحمل ثلاثون درجة فخرية

شعر مايا يذكر بصوت الشاعر والت وايتمان، كل تلك الحكايا عن حياة الحل والترحال وما يتعلمه المرء في الخلال، ومايا مثله ، امضت عمرها في السفر من اركنساس الى السنغال وما بينهما الم يحدث ان احتست قهوة مليئة بالحشرات في المغرب لتمرض بسبب ذلك شهرا ثم تكتشف انها قهوة بالزبيب! ألم تتعرض مرة للضرب المبرح ! ألم تعمل يدا بيد مع مالكولم أكس ومارتين لوثر كينج في نشاطات حركة الحقوق المدنية في امريكا

قصيدة طائر في قفص بصوت الشاعرة

حياة مايا انجلو محتشدة و غريبة ومثيرة ويصعب تخيل كيف امكن لشابة ملونة في امريكا الاربعينيات والخمسينيات - انجولو الان في الثمانين من عمرها - كيف امكنها اذاك ان تجتاز كل المحن والمنغصات والعوائق وان تتحدي مجتمع شديد العنصرية بدون ان تنهار او تجن بل تنجح في ان تصل الى سنها المتقدمة مع المحافطة على كامل حيويتها وقواها وتميزها بقلب عطوف مفتوح على بنات جنسها بالنصح والمشورة من واقع تجاربها وصراعها مع الحياة وبأسلوب ادبي شعري شديد الرقي

ليلى النيهوم

Sunday, June 01, 2008

حليب مراق بين سعدي يوسف وسارة ماغواير

حليبٌ مُراق


يقول الشاعر والمترجم سعدى يوسف ان معرفته بشعر سارة ماغواير كانت عبر انثولوجيا معينه ، ضمت قصيدة لها هى :" حليب مُراق" ويضيف :" قد كدت احفظ القصيدة عن ظهر غيب ، حتى اذا التقيت بالشاعرة لم املك الا ان اردد على مسامعها ما حفظته من تلك القصيدة ، ربما فاجأها الامر الى حد ما ، اذ ليس من عادة الشعراء فى هذه الايام ، ان يعلنوا ، هكذا ، إعجابهم بقصائد سواهم".
ولانه رأى بعد ان قرأ متمهلا مع الوقت ، دواوينها الثلاثة، رأى ان صوت هذه الشاعرة ينبغى ان يُسمع فى ارضها ايضا ، ويخلص الى انها : " ليست شاعرة لغة ، إنها شاعرة حياة مكشوفة ، مكتشفة الان كما لاول مرة ".
دعتنى هذه التقدمة المشهية الى التوغل فى قراءة الشاعرة كما نقلها لنا سعدى يوسف ، دخلت وزادى ثقة مطلقة فى مترجم اكثر من قدير ، ثمة قصور لدى فى ان اضع يدى على وصف دقيق لمقدرة سعدى يوسف الفائقة فى التعريب ، فهل يمكن ان اقول مُترجم فوق العادة ، ودليلى ترجمته الشعرية الرائقة لرواية ديفيد معلوم :" حياة متخيلة- اوفيد فى المنفى " ، التى لم اتوقف عن إعادة قراءتها مراراً وتكرارا ً ، آملة ان اصل يوما الى مثل متانة ورشاقة وشاعرية المفردة ، وسلاسة الجملة وغرابة وجدة استعمالاته اللغوية ، تـُشنف العين وترج المُخيلة وتصل الى ان تـُعطى العمل المترجم قيمة اكبر مما لو قرأته فى لغته الام ، فالمُترجم المتمكن من ادواته ولغاته يثرى الجانب المأخوذ عنه ويـُعيد احياؤه وتنشيط لـُغته ليمنحها اصغاء جديد وانتباه متفاجىء.
تقول سارة ماغواير وبلغة سعدي يوسف : فى قصيدة حليبٌ مُراقٌ
فى مكان ما ، بين هذا الموضع و "دن لاوغير" ، تعطل القارب
وانجرفت ، ساعات ، فى عين عاصفتك
منحنيا من حاجز نحو السكون
تـُراقب ضوء العبارة العنبرى يسقط فى الليل
وعيناك لديغتان وهما تتشوفان مرفأ
فى ما بعد ، ستكتب : ربما لا
ازال فى البحر

يستوقفنى استعماله لـ : " تتشوفان "، اقول لنفسى وبناء على تجربتى المتواضعه فى الترجمة الادبية ، يا لبراعة الرجل كيف عن له التملص من ربقة " تتوقان " ؟..كيف فطن الى التشوف ؟ ، نقول نحن فى دارجتنا : الشوفة واعرة ، اى صعبة . والتشوف اعتى درجات التوق . ان تتشوف ، اى ان تتوق الى ما لا مـُطال ، او الى ماله طائل مع احساس رهيب بالضعف والخذلان والتمارض ، وهذ حال السفائن التى لاتصل الى مرافئها او بالاحرى التى لاتريد ان تصل حتى لاتفقد اسطورتها او يـُفقعُ توقها!! وفى بالى كلمة اخرى اشد وطأة من التشوف ، لن اجرؤ على ذكرها هنا حتى اتأكد معجميا ً من فصاحتها وطبعا حتى لاافشى اسرار صنعتى اللغوية.
كنت فى رواية – حياة متخيلة – لديفيد معلوف وترجمة سعدي يوسف اعجب طيلة قراءتي بسبب مفردات ادهشنى استعمالاتها واتامل تطويعات سعدى يوسف لها فى السياق النصى ، كنت اتتبع ذهنيا ً آلية لحظة النرجمة عند سعدى يوسف واتخيلُ كيف يُقلبُ المفردة التى ومضت فى ذهنه مثل
برق ، وكيف يتذوق وقعها على الاخر ومن ثم وقعها عليه بناء على ما توقعه من ردة فعل المتلقى ليطمئن الى رجاحة شعرية إنتقاءه ، وليتجاوز بذلك السائد اللغوى المتكرر . وكان هذا يحدث سابقا فى نشأتى اللغوية الاولى اثناء قراءاتى لترجمات منير البعلبكى ، كنت اعشق لغته ، وكان بوابتى لعشق اللغه العربية ، ولإستكناه احتمالاتها المُتعددة وطواعيتها لكل السياقات الزمنية ولكل حداثة ولكل ما بعدها . وايضا شغفى ان الُبس لغتى العربية لاجساد لغوية اخرى اظنها باهتة لازيدها رونقا ً وإبداعاً ، وتلك متعة لاتضاهيها متعة فى الدنيا تقول سارة ماغواير فى قصيدتها " بستان العذراء"- بلغة سعدى يوسف :
من قصى الساحل الشمالى
لليونان ، من خفيض شاطىء
هالكيديكى عديم الشجر
تنزلق ثلاث اذرع من الارض
فى بحر ايجه
........
مستافة الضوع
جامعة الازهار
ازهار الدفلى والخبازى

هنا اقف لاعيد فى ذهنى ترجمة النص الى لغته الام لاتأمل صنعة سارة الشعرية ، لأترجم الصورة التى كما تقودنى الى سواحل اليونان التى عرفتها جيدا ، تـُحيلنى " متشوفة" الى رأس الهلال وسوسة وخفيض سواحلها التى تتمدد كسلى على مُنهبط الجبل الغاطس قدميه فى المتوسط يتحسس الماء الازلى ويخضبها بزخرف القواقع ونجمات البحر.
مستافة الضوع !!
تملص سعدى يوسف بذائقته اللغوية المخصوصة المطورة والمصقولة من استعمال
متنشقة" ، وفضل بذكاء لغوى استعمال الضوع بدل العبير ، فالضوع إنتشارٌ متملك ومتمكن لشذى الزهور من الشميم وليس لأى شميم اذ لايمكن لك ان تشم ضوعا ما لم تتملكك فكرة الشىء المشموم ضوعه تماما و تسكنك ، فلقد عرفت اناس كثر لاينتبهون للزهور على حواف الطرقات ولايعرفون اسم زهرة برية من اخرى ولا حتى اسماء زهور الحدائق ، ولعلنا هنا لا نعجب حين نعرف ان الشاعرة الانجليزية سارة ماغواير اشتغلت فى بداية حياتها بُستانية لذلك وبما جاء فى النبذة حول الشاعرة سارة ماغواير ندرك ان الشاعرة تعشق الازهار ، فهى من هجس هذا العشق اعدت انثولوجيا فريدة( النبتُ الشِعرى ) وتضم قصائد عن الازهار والنباتات والاشجار عبر سبعة قرون من الشعر الانجليزى
العين المحبة تلتقط والعين المتأملة توثقُ ، ولذلك لا تـُمر الاشياء لِماماً على الشعراء والكتاب والمهجوسين بالرؤية والعيش القريب من عمق الاشياء . سعدى يوسف شاعرا قبل ان يكون مترجماً ولذا فقد تأمل شاعرية الشاعرة ومن ثم شِعرُها وامتلىء بهما ، إستافهما قبل ان يُقدم على ترجمته . وحين اقدم اوصل لنا قراءته العميقة فى شعر سارة عبر ترجمة امينة رائقة .
تقول سارة فى قصيدة – مازلت فى البحر – بلغة سعدى يوسف :
..................
تصورين نفسك
قربانا تكعيبيا :
مقسمة طولياً حضنك موسوق بالمثلثات.

انا هنا اخرج من سارة ماغواير وسعدى يوسف واتداخل فى ذاتى قائلة اننى اعشق هذه القصيدة لاكتشف اننى لم اخرج منهما ، فلو لم تكتب هي ، ولم يترجم هو ، لما كنت اللحظة اتمتع بالقصيدة وما كنت اتمنى ان يسألنى احد كما يُسئل المطربين عادة : ماهى الاغنية التى غناها غيرك وتمنيت ان كانت لك؟.
ماهى القصيدة التى تمنيت ترجمتها؟ وربما قد يجرؤ احدهم ويقول
ماهى القصيدة التى تمنيت كتابتها وكتبتها سارة ماغواير؟


لحظتها يطل دالى بشنبه السوريالى يتأمل لوحته التكعيبية فيما تهتز " وردة حمراء" كانت مُعلقة فى سماء جرداء


على حافتي شنبه الحادتين حين يشيران للسماء فتطرأ عليه فكرة ان يرسم القصيدة التى كتبت لوحته !

حليب مراق- مختارات شعرية مترجمة – سارة ماغواير ترجمة سعدي يوسف– دار المدى (2003 ) - دمشق


ليلى النيهوم






Wednesday, July 25, 2007

ظـُلمة الهيكيكوموري في ليل هاروكي موراكامي





تدور أحداث رواية " بعد ظلام" أحدث روايات الروائي الياباني هاروكي موراكامي ، ذلك الروائي الذي أصبح سوبر ستار الرواية الفنتازيا الحديثة حول عملية التحول أو النفور وتقع أحداثها في إحدى كبريات المدن اليابانية خلال ليلة واحدة ترصد منذ الساعة 11:52مساءاً حتى 6:52 صباحاً ما يحدث لشقيقتين
الأولى ماري أساي ذات التسعة عشر ربيعاً ، الطالبة الجامعية التي تمضي ليلتها تحتسي القهوة منزوية تقرأ كِتاباً سميكاً في مطعم ومقهى " ديني طوكيو" حيث تلتقي تاكاشي الطالب عازف الترومبون الذي يعرف شقيقتها " إري"ويصر على أنهم سبق التقاءهم والتسكع معاً . تكثر ماري من احتساء القهوة لمقاومة النوم في نوع من الاحتجاج غير السوي لما يحدث لأختها الأكبر ، إري التي تعاني من إنسحاب اجتماعي وهي حالة يطلق عليها هيكيكوموري – كما يقوم شخص شرير بمراقبة إري أثناء نومها
إري التي تعمل عارضة هي المستهدفة باحتجاج ماري كونها تمكث في السرير منساقة بشكل غامض إلى حالة من النوم المتطاول لشهرين
تتقاطع سبل ماري مع بطل مُصارعة ، اثناء عملها مديرة في فندق الحب ( الذي أشار تاكاهاشي عليها بالعمل فيه) ومع بائعة هوى صينية تعرضت للضرب المبرح وجُردت من ممتلكاتها وايضا مع خبير كمبيوتر سادي النزعة في نفس الفندق فيما تأخذ حكاية إري شكل مُغامرة فنتازية داخل جهاز مرئي مُطفأ يعود للاشتغال فجأة مثلما في فيلم طارد الأرواح
تقع الرواية في مكان في عالم بين الواقع والأحلام عبر200 صفحة من النثر الصريح المُسطح في شكل فصول قصيرة متنوعة ، مع عنصر شوق مُضاف – له صلة بعد حداثوية وهو ما يُضفي على لمسة الزمن الحقيقي الذي يبدأ من ساعات الليل الأولى
وبالرغم من عيش الأختين في عالمين يمضيان في توازي متمايز تتقاطع قصتيهما في ارتباط عسير الوصف بقصة ثالثة لرجل يعمل حارسا لمقبرة ويُخفي سِراً رهيباً
لقد شُبه موراكامي مؤخرا بالكاتب ديفيد لاينش الذي يستغل ساعات الاستيقاظ كخيار مؤقت لكتاباته الشبيهة بالأحلام ، مُبدعاً قصصاً سوريالية قاتمة في وضح النهار
الرواية مشغولة بفنية فائقة مبنية في بيئة ليلية تخدم حس الزمان والمكان والعادي والدنيوي متضمنة السؤال حول الخيار البسيط : هل النوم أم البقاء صاحياً ؟
التعمق في أعمال هاروكي موراكامي يقود إلى شبكة شديدة التعقيد من التأثرات الأدبية الغربية بكل من فرانز كافكا وترومان كابوت وج.د سالنجر وستيفن كينغ وريموند كرامز سادة الرعب والسوريالية والنثر السوداوي ، إضافة إلى سعة الخيال والإغراق الفنتازي الياباني وإن تخلصت من تركيز الأدب الياباني على جماليات اللغة على حساب الموضوع الذي عادة ما ينشأ عنها اعمالاًجافة محصورة المدى فأسلوب موراكامي حر ومُنساب نسبياً ، إضافة إلى تأثر أعماله بإشتغاله لزمن معين في المجال الموسيقي مما انعكس كثيراً في موضوعات رواياته من حيث تكرار التيمة الموسيقية وعناوين الأغنيات والشخصيات من عازفين ومُغنيين وعاملين في المجال الموسيقي
رواية بعد ظلام ترجمها جاي روبن إلى الانكليزية - صدرت في مايو – الماء 2007 م بعد صدورها في الأصل عام 2004م . ترجمت إلى الروسية عام 2005م. والهولندية 2006 والصينية المبسطة 2005 والى الفرنسية 4/1/2007م. والى الرومانية عام 2007 ايضا
هذه الرواية المحكمة تقع في الفاصل بين الليل والنهار ، الحياة والموت ، الأحلام والواقع وبين شقيقتين لايمكن ان تكونا أكثر اختلاف عن بعضهما


ليلى النيهوم


Wednesday, June 27, 2007





روبن داريو : الشاعر المدرسة

قريباً من نهاية القرن ما قبل الماضي كان شعر العالم المتكلم بالإسبانية فاتراً وضعيفاً وأشبه بجثة . قد احتاج إلى حياة جديدة واتجاه آخر .احتاج إلى دماء في أوج فورانها وإلى حزن هائل وإلى تأمل دقيق في الحياة .كل هذا فعله فيلكس روبن غارسيا ساومينلو ( 1867 – 1916 م ) الشاعر النيكاراغوي الثوري الرائع الغريب ، لقد غيَّر مجرى الشعر الإسباني ، أدخله في الاتجاه السائر نحو حداثة القرن العشرين ليسمي نفسه روبن داريو

قال عنه لوركا (1) : " وضعنا في البحر مع فرقاطات ، الظلال في عيوننا , منحنا همس الغابة في صفة ، لكونه سيد اللغة مثل فراي لويس دي غرنادا ، اختلق أبراجاً فلكية من شجرة الليمون
ليعقب نيرودا بأسى : " آلام قلبه المبرحة , هبوط إلى مستشفيات الجحيم
في قصيدته " حتم " يقول روبن داريو



الشجرة سعيدة لقلة إحساسها
الصخرة الجلمود أكثر سعادة فهي لا تشعر بشيء
لا ألم أعظم من العيش
ولا حملاً أثقل من الحياة الواعية
أن تكون
أن لا تعرف شيئاً
أن تفتقد سبيلاً
الوجل مما كنت
ومن فظاعات المستقبل
الرعب الواثق من أنك ميت غداً
أن تعاني طيلة الحياة
عبر الظلام
عبر ما لا نعرفه
بالكاد يخامرنا
الجسد الذي يغوينا بعناقيد عنب باردة
اللحد الذي ينتظرنا بزهور الجنازة
أن لا نعرف إلى أين نمضي
ومن أين أتينا


يقول أوكتافيو بأن (2) : ( وفقاً للمراجع كان القرن السادس عشر والسابع عشر العصر الذهبي للشعر الإسباني ، ثم فجأةً خلى المسرح ، كأنما العرض بأكمله كان أوهاماً أكثر منه حقيقة تاريخية . لم يبق شيء ، أو لا شيء غير أطياف أشباح . ثم ، وقريباً من نهاية القرن ، كل شيء تغير مرة أخرى ، هكذا فجأةً ، هكذا عنيفاً . انما بعد سنوات قلائل لاحقة قامت اللغة الإسبانية على رجليها وعادت للحياة مجدداً. أقوى . أوضح . أكثر تحكماً .
كان روبن داريوالجسر الواصل بين السلف وجيل الحداثة الثاني . أسفاره المتعددة ونشاطه الوافر نيابة عن الآخرين جعلاه نقطة الوصل للعديد من الشعراء والجماعات الشعرية المبعثرة بين القارتين . كان أيضاً مراقباً وناقداً . إن تطور شعره ، من " بلو " إلى " قصيدة الخريف " يتوافق مع تطور الحركة الشعرية ، التي بدأت معه وانتهت معه . لكن شعره لم ينته مع الحداثة ، لقد ذهب أبعد منها ، أبعد من لغة هذه المدرسة وفي الحقيقة أبعد من أي مدرسة شعرية . لم يكن داريو فقط أغنى وأكثر شعراء الحداثة العظام غزارة ، كان أحد أعظم شعراء الحداثة . كان شاعر أمريكا اللاتينية ) .
يرى لوركا في رثائه لداريو : " كان صوته ماء ونترات في أثلام لغتنا الجميلة "
يتخيَّل نيرودا : " الليلة دعونا ننحت تمثاله من الهواء ، يتقاطع بالدخان والأصوات بالظروف وبالحياة ، مثل شعره العظيم يتقاطع بالصوت والأحلام لوركا :" ولكنني أريد أن يُظهر تمثال الهواء هذا دمه مثل فرع مرجان يتلاطمه المد والجزر ، أعصابه مثل صورة من برق خلب ؟ رأسه المينوتوري ، حيث لون الثلج الغنغوري سرب طيور طنانه ، وعيناه الغامضتان ، عينا مليونير ، ملايينه دموع ، وأيضاً قوام شعره العظيم الخصب يقف شامخاً خارج المعتاد والأشكال والمدارس

في قصيدته : في الخريف يقول روبن داريو


أعرف أن ثمة من يسأل

لما لم يعد يغني بنفس الجموح القديم
لكنهم لم يروا جهد ساعة
منجز دقيقة
ضخامة عام

أنا شجرة هرمة

في يناعتي
صدحت بصوت عذب غامض

عندما داعبني النسيم
ولى زمن الابتسامات الفتية بعيدا

الان يلزم إعصاراً يعصف بقلبي ليغني

فعل داريو أكثر من الجميع ، في العروض وفي الأسلوب كما الحال في روح الشعر . نصر داريو لم يمر بدون عناصر مفاجئة وخصوصاً كونه ولد في العالم الجديد ، مؤدي به بشكل تام من قبل الجماعات المثقفة في البلد الأم ، في مدريد . إن احتضان الكتاب الأسبان لداريو كان عظيماً ومخلصاً , لكن ، بينما فعل كل ذلك ، لم يفقد أبداً قوته المحلية ، كان ، وكان يعرف من يكون – أمريكيا أسبانيا . لقد غنى لجنسه ، لقومه – بفيض من حب وحنو ، كان في أوقات طفولي المنحى . " (3

هدأة الليل .. هدأة ليلية حزينة
لم ترتجف روحي هكذا ؟
أسمع دبيب دمي
وتعبر عاصفة ناعمة دماغي
أرق

يجافيك النوم . تظل تحلم
أنا العينة الآلية للتشريح الروحي

هاملت الآتي لأخفف حزني
في خمر الليل
في بلور الظلام الرائع
أسأل نفسي : متى يحل الفجر؟
أحدهم أغلق باباً
أحدهم مر
الساعة دقت الثالثة
ليتها كانت هي

!
ولد روبن داريو في 18 يناير 1867 م في دولة نيكاراغوا وتوفي فيها في 6 فبراير 1916 م . تلقى تعليمه هناك عندما بلغ العشرين من عمره سافر للخارج ، زار تقريباً معظم البلدان الغربية وسافر بكثرة إلى أوروبا منذ 189 م . عاش لسنوات عديدة في سانتياغو بالتشيلي ، بوينس أيرس ، مدريد ، باريس . ترجمت العديد من أعماله الشعرية وبعض قصصه ومقالاته إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والبرتغالية والألمانية وبعض اللغات الاسكندنافية ليقول في قصيدة

أريد أن أعبر عن ألمي في أبيات تحكي
شبابي المتلاشي ، زمن الأحلام والورود

هذا ما عبر عنه في قصائد إضافة إلى شعريتها الفريدة مكتظة بالألم , برفرفة أجنحة جريحة في سماء الروح
ترجمة وعرض : ليلى النيهوم

-----------------------------------------------------

هوامش

(1)- مقطع من كلمة لوركا ونيرودا المشتركة في نادي القلم ببوينس أيرس 1933 م

(2)- أوكتافيو باث : ثناء أعمال روبن داريو . من مختارات شعرية لروبن داريو 1988 م
(3)- من إحدى عشر قصيدة لروبن داريو . بوتنانم سونز

(4)- القصائد من مختارات شعرية لروبن داريو . 1988 م . جامعة تكساس (5

المادة القائمة عليها القراءة والترجمة من : دريانا كوم


Monday, May 21, 2007

تجريب : Mckenie Wark -GAM3R 7H3ORY



الكتاب المستقبلي


إذا كانت عملية الكتابة قد تطلبت من بعض الكُتاب والمؤلفين سواء المعاصرين أو من قبلهم عزلة شديدة حرمَتْ على أهل البيت دخول معتكف الكتابة فيما عدا واحد فقط ، يدعو كاتب الانترنت الروائي ماكنزي وارك صاحب رواية هاكر مانيفستو في المقابل ، الجميع بمن "فيهم الغرباء لمقاطعة أفكاره الكتابية لروايته نظرية اللاعب "غامر ثيري
بخربشاتهم ومقترحاتهم على هامش كتابه الالكتروني الذي يكتبه ذلك عبر موقع خصصه والتعليقات عليها ، فإذا أعجبته تعليقاته يلملم خلاصتها ويهتدي بها في تدفق النص الذي يكتبه اونلاين
كانت البداية هكذا ما يقول بن ارنولدي من الكريستيان ساينس مونيتر : بعد ذلك استسلم الكاتب استسلاماً مُطلقاً لهذه الصرعة – الانترنيتية- التي يتوالد نمطها دون وعي من المتسببين فيها حين كانوا مدعوين للتداخل في النص – أونلاين – للإضافة والحذف ماشاؤوا ونشر الاصدار الاول من الرواية وبعدها فتح باب التعليق والنقاش للأصدار الثاني من نفس الرواية تلاه الثالث ومازال العمل قائما وقد اطلعت على تفاصيل هذا الشكل الجديد واستهواني كثيرا ولعلنا سندرك - إذا كنا بعيدين النظر ومستشرفين- اننا نشهد لمحة ، إشارة، على رأي باولو كويلو على الشكل المستقبلي للكتابة وأساليبها القادمة وبالذات فيما يخص الكتب ذات الموضوعات المختلفة – باستثناء فن السرد فله جدله الخاص من هذه الناحية إذاً ستصبح الكتب هدفاً للنقاش وأكثر من كونها قيمة للاقتناء وسيصبح للكتاب دورأ اجتماعيا مشتركاً أشبه بدور أوبرا وينفري الذي نشاهده تلفزياً والذي يتورط في نسجه المُشاهد والمُعد والضيوف
تقول باولا برينشتاين ، وهي كاتبة مقال حول اتجاه الباحث نشرته في مجلة متخصصة في قواعد البيانات ، ان الكتاب أصبح في يومنا هذا مكاناً مثلما هو شيء يقرأه المرء ، مكاناً حيث الكاتب مجرد مضيف أو مديراً لمطعم فخم في نيويورك مثلاً
لعل ما أوصل هذا الى ذاك نحو أشكال جديدة للكتابة ألتشاركية أو التعاونية ، هو ظهور المدونات الالكترونية التي خلقت لدى عامة الناس وبدون تخصيص شغف وقابلية للكتابة بشكل يقترب من الكلاسيكية والاعتيادية وتبتعد عنها نحو اشكال تجريبية يعزو معظمها الى جهل البعض الى جهل البعض بتقنيات الكتابة في الوقت الذي متاح أمامهم فضاء يجب ان يملؤه بخواطرهم ومشاهداتهم ورؤاهم وتفاعلهم مع محيطهم ، الأمر الذي رسخوا فيه من الوقت أشكالا جديدة للتعبير ولغات جديدة مستنبطة من ألحكي ومن السرعة في الاختصار لاقتناص فسحة من الوقت لتنزيل الموضوع في المدونة بين أوقات العمل ،ساعات الطعام ..مع التجاوب الذي تلاقيه هذه التدوينات من تعليقات القراء الذين بدورهم يمتلكون مدونات تحتاج إلى تعليق حول ما يكتبون
أيضا ساهمت موسوعة ويكيبيديا الالكترونية الحرة الشهيرة التي يحررها الجميع ، المفتوحة لكل من له حرفاً أو سطراً يزيده حول أي من موضوعاتها حتى وإن اختلط الحابل بالنابل والمدرك بالجاهل ، فثمة حرية في المشاركة وفي إبداء ما لدى المرء من زيادة وهذه مسألة تـُركت هكذا مبدئياً إلى حين يمكن فيه من غربلة وتنسيق سبل التداخل لمصداقية ما يـُطرح في الويكيبيديا ، وانا شخصيا كثيراً ومِراراً ما أضفت ما لدي من معلومات فيما لو أحسست ان موضوعاً ما دخلته وشعرت بأن لدي ما أزيده حتى انني شغفت لوقت قصير ٍ بمهمة إضافة المقابل العربي لبعض المعلومات التي في الويكيبيديا
هذه الأشكال المتقدمة نحو صياغة جديدة للكتابة للجميع كما هو الانترنت السبب والمدخل نحو المعلومة للجميع ، حفزت بعض الشركات مثل غوغل الى دفع هذا التغير قدماً وتحفيزه
والاستفادة منه بطبيعة حال السوق الالكتروني وذلك بإضافتها معالج كلمات أسمته - غوغل دوكس- حيث يعمل هذا البرنامج مثل برنامج ميكروسوفت وورد الذي نعرفه جميعاً غير انه يدخل الانترنت مجاناً ويسمح لأ كثر من كاتب ان يدخل الملف المشترك في أي وقت يشاء ويفعل ما يريد ، تصوروا
أضع ألف خط - لو سمحت المسافة – تحت كلمة تصوروا ، هذا البرنامج الذي شبهه البعض في الغرب كونه مثل قائمة المشتريات المتناقضة لزوجين اعتياديين أولاً ،ومن ثم ومع تطور التجربة ، أثبتت إمكانيات احتمالات أعظم ، فقد اشترك سبع كتاب- مستعملين هذا البرنامج- في كتابة رواية وقامت مجموعة من كُتاب آخرين بينهم نقاد بكتابة مقدمة مشتركة للرواية وكل ذلك أونلاين
أمر مثير غير ان التعمق في هذه التجربة المغرية سيضع تساؤلات كثيرة ، أكثرها تفاؤلا ان هذا الأمر سيكون انفتاحا ً في عملية الكتابة والتحرير والنشر بحيث يكسر احتكار محدوديتها السابقة على فئة صغيرة من المحررين وتصبح مُتاحة للجميع
وإذا كنا نؤمن كما يقول " جن مِزون" بأن المشاركة في هذا العالم المتقلص الى قرية صغيرة مترامية الأطراف والمشارب والمعتقدات والإيديولوجيات – فإننا نادراً ما سنعمل شيئاً من العدم - غير ان السؤال في ظل الأنا المرتفعة لدى الكتاب والانفرادية المعروفة لدى الباحثين والأكاديميين لمن سيعزى جهد الكتاب وكيف يمكن التغلب على تعارض الأفكار ، بل كيف يمكن الحد من الانجراف والانزياح في خلق الشخصيات والأحداث ومطها وكيف سيتمكن الكاتب لومنح نصه للأنترنتيين منع الجهلة من إفساد الأمر وكيف سيمكن لملمة الخيوط المترامية وشبكها وحبكها لخلق كتاب يخلو من الفوضى والعشوائية والهذر
اسئلة كثيرة تصح ان تكون اسئلة لكل ما في الحياة أيضا .. غير ان التجريب ممتع حتى وإن بدا للناظرين شديد الفوضى ..فمن الفوضى ينخلق النظام وتترتب الاشياء مع الزمن ، كل الاشياء التي هي اعتيادية اليوم بدأت هكذا ، غير ان درجة الوعي مطلوبة وهذه من عندي وأعود بها ا للخطوط الألف التي وضعتها تحت كلمة تصوروا ، فأنا أتصور لو ان مجموعة من كتابنا قاموا بالتجربة وتجردوا من كل شيء وكانت الكتابة همهم الأول وكانت لديهم رغبة للوصول الى طريق ما مثلا ، ثم أدع باقي ألــ(999) خطاً لباقي التصوروا لكل ما يمكن ان يكون لدينا من احتمالات المشاركة الكتابية وفي النهاية وكما يقول ماكنزي لارك : للثقافة قوانينها الخاصة للابداع

ليلى النيهوم




Sunday, April 08, 2007

اللامتعزي ومجاز الهيولى


اللامُتعزي أول رواية لكازو ايشيغورو منذ رائعته العالمية .." بقايا اليوم "1989 ، وهي بدورها عمل مفاجيء ومذهل لهذا الروائي الياباني إذ تتمطى في سردية لا توحى بشيء أكثر من كونها اضغاث أحلام فيها خلق المؤلف بورتريه لفنان أصبح قاصراً عن قياس المسافة بين حياته العامة والأخرى الخاصة
رايدر راوي الرواية ، عازف بيانو شهير يصل إلى مدينة أوروبية صغيرة غير مسماة ليقيم حفلة مهمة ، ولكن فيما تتواتر الرواية يصُبح جلياً أن رايدر لم يعَد يتذكر إلا النذر القليل عن أسباب زيارته ، وعلى ذلك ليس متوقعاً منه أن يقيم حفلة فحسب بل ومعجزة أيضاً . ليس أقل من إحياء كيان المدينة الروحي والجمالي
خلال الثلاثة أيام التي تسبق ليلة الذروة يقع رايدر في شراك حيوات ، ومطالب متوالية لغرباء ( كما يبدو ) لا يحصون : مدير فندق وعائلته المختلة ، بواب وابنته البعيدة وحفيده ، قائد او ركسترا ثمل وزوجته المنبوذة ، مواطنون مرموقون كثر، وآخرون بلا نهاية ، بما فيهم شخصيات غير لائقة من ماضيه ، جميعهم يظهرون ويختفون مثل أشباح غرائبية مزعجة في كرنفال لهو
في هذه الملاقاة والتجارب السوريالية ،يقدم ايشيغورو حياة الفنان العامة بتشابكها الميؤس في نسيج الحلم ، وفي غضون الإطار الزمني الممطوط بصعوبة ( ودائماً على عجلة مُلحة ) يجتاز رايدر خزانات مكانس تنفتح على حفلات كوكتيل ، غابات معتمة على أوساط مدن ، أزقة مدن خلفية تتحول إلى أفنية مزارع مهجورة
كما يحضر مأدبة عشاء فقط ليكتشف أنه لا يرتدي سوى مئزر حمام ، كما تحمل غرفته بالفندق شبهاً غامضاً مربكاً نوم طفولته ، ليصادف حطام سيارة عائلته الصدئ من أيام صباه في موقف سيارات أحد المعارض الفنية بالمدينة ! كما يخضع الأشخاص المشوهين والحمقى والمتضارين والسخفاء أذنا رايدر لأحاديث منومة تكشف حميميات حياتهم : أمانيهم - يأسهم - وشعورهم بأنهم منسيون أو متروكون في مدينة فقدت موضع روحها
ولكن في موضع ما في هذه الرواية القوية ، بين سطورها ، في هامشها ، بل في عمق نسيج أوراقها تكمن رواية أخرى تنتظر أن تروى ، أخرى عادية جداً ، ومخفتة في واقعيتها : حكاية ولد غير محبوب ومهمل فشل في الإيفاء بتطلعات وتوقعات والديه
في عملية تكثيف سحرية ، تتحول شخصيات اللامُتعزي تدريجياً لتُشابه صور مسلاطية مشوهة لرايدر نفسه ولوالده ووالدته ، ولمخاوف ورغائب طفولته ، فيما توحي مشهدية متاهة المدينة والأحساس الزِلق للمكان بتلافيف العقل اللاوعي الخفية لرايدر نفسه ، وأن هؤلاء الغرباء المقيتين هم بكل غرابة أطياف نفسية رايدر ، وأن روح المدينة التي يريدون منه انقاذها هي كما نتأكد لاحقاً روح رايدر نفسه
مهما بدت الأحلام غرائيبية في تخريجاتها فهي دلالة شعورية حين تحلمها . وكتابة إيشيغورو المكتلة تخلق هذا التأثير الضروري ، ربما لدى أي كاتب آخر قد تنزلق هذه الرواية النفسية الصعبة عن الحافة لكن إيشيغورو الذي إجترح فيها الكثير من لحظات الكوميديا والرثاء ، السخرية الجامدة الإعجازية وجعل نثره أعجوبة قاطعة وكتابته راقية ومضبوطة ودقيقة تسدل ستراً عقلانياً هفهافاً على تجربة القراءة العميقة المؤثرة خرج باللامتعزي إلى مقام الأعمال الجديدة المهمة
من جهة أخرى يمر أي مشهد مباشر من صفحات رواية اللامتعزي رايدر حين يأتي للمدينة ليقيم حفل حياته ليجد أن كل شيء في المدينة بل وكل شخص مربوط بحفل رايدر المرتقب وبكل التزاماته الاجتماعية العديدة الطارئة ، وأيضاً بمحتويات حديث برمج رايدر لإلقائه حول مدينة بالكاد يذكرها
والمشكلة أن رايدر أضاع برنامجه ، ومواعيده ، وأصبح مشوشاً محاولاً تخمين أهمية كل شخص يلقُاه . كل هذا القى رايدر في كوميديا أخطاء مثيرة
فقد نسى أهله حتى ساورته نفخة تمييز ، شيء ما أفاقه بلاشك ودلّه إلى الاتجاه الصحيح نحو ربكة أبعد ونحو موعد تالي ( مزعوم )
تحافظ الرواية على هذا التوازن المتقلقل للسرد الملتبس طوال المسافة إلى صفحة 424 عندما وبدون مقدمات يلوح الأمل في المستقبل ،فحفلة رايدر مقدمة بلا هوادة على حل مشاكل الجميع الحياتية المتراكمة وبكل رشاقة وإحكام الكواكب المتراتبة إصطفافاً لتخسف الماضي
ويقول الصحافي والروائي بيتر اوليفا في مقدمة حوار له مع ايشيغورو " إنها تلك اللحظة المخصوصة التي رغبت مناقشتها مع إيشيغورو ، هذه اللحظة الرائعة حين يجمع إيشيغورو كل استطرادت وانحرافات وخروجات السرد معاً في قبضة واحدة لكي يلكم بها كل تلك التوقعات المتفائلة بسخرية مميزة سوداوية ، للوصول إلى هذه اللحظة أدركت أنه علينا أن نخوض غمار تحولات ومكائد مدارك رايدر ، ولو لأجل أن تمنح للرواية سياقاً وخلفية ومنظومة قواعد . وقد يكون المكان في الرواية حزيناً ومضحكاً ولكنني مصر على إكتشاف كيف عنّ لإيشيغورو وواتته الجرأة أن يهشم الكثير من التوقعات السردية بكل تقصد واستخفاف ؟ "
وإجابة لهذا يقول ايشيغورو :" إن الرواية يفترض أن تكون مجازاً للكيفية التي يتخبط فيها معظمنا عبر حياتنا ، متظاهرون بأننا ندرك وجهتنا ، ولكننا حقيقة نجهل إلى أين نمضي . إن ذاكرة رايدر ، لا تعمل

بالطريقة المعتادة ، لقد حاولت فعل شيء غريب هنا ، حاولت أن أكثف الطريق التي يسير فيها بعضنا حياته في أيام قلائل . إذا أنها أشبه قليلاً بتجربة الوصول إلى نقاط معينة في حياتك لتجد فجأة عدة أشخاص ملتصقون بك ، متسائلاً وغير عارف كيف تورطت في هذا الموقف . أنه ذلك النوع ، بإستثناء أنه يحدث هنا حرفياً . أعني : أن الحدث صار هكذا . أردت أن استخدم ذلك النوع من عالم الحلم لأعبر عنه ، وأردت استخدام بعض الأشياء التي تحدث في الأحلام ، التي ظننت أن معظم الناس - في مستوى معين - متعارفين عليها .. لأنهم تفاعلوا في عالم الحلم لذا تحدث أشياء غريبة مثل تلك . "
ويضيف عن رايدر :" وهو أيضاً راوي كليّ المعرفة لدرجة غير موثوقة ، أنه كليّ في بعض الأوجه ، ولكنه محدد بلا معقولية في أخرى ، قد يكون متسرباً في ذاكرة أناس آخرين ، ولكنه لا يتذكر أدنى الأشياء وأبسطها ، أن تحدي كتابة هذه الرواية الحقيقي كان إستخلاص فعلي لمنظومة القواعد التي تحكم العالم الذي تقع فيه الرواية ، الأحكام التي تسري على الزمان وعلى السلوك الإنساني والاجتماعي في عالم هذه الرواية ، والتى تختلف عن تلك المنطبعة عن عالمنا الحقيقي . إن الذاكرة تنتهج طريقاً مختلفاً ، ولكن من المهم جداً لي وجوب وجود قواعد يريد القاريء أن يؤقلمها مع هذا العالم الجديد
يجب وجود هيكلية أو بُنية . لايجب أن يكون مجرد مكان بريّ يمكن أن يحدث فيه أي شيء
وعن الخروجات الاستطرادت التي تقاطع السرد : ذكريات الطفولة والاستطراد عند رايدر يقول :
إنها نوع من الاستطراد ، لكن الكلمة التي كنت استعملها في بريطانيا حين كنت أتكلم عن الرواية هي كلمة " إنتحال " لأنها ليست مجرد شحطات ، إنها أشبه بحلم ، عندما ترى شخص ما .. بائع الحليب مثلاً أو أي كان .. بائع الخضار ، شخص ما ينبثق في حلمك ولكن في الواقع يحل هذا الشخص بدلاً عن شخص أخر أكثر أهمية من ماضيك ، بمعنى آخر أنك تنتحل أشخاصاً تلاقيهم في الحاضر ليكونوا بدل شخص آخر متعمق في ذاتك في ماضيك وفي تاريخك الشخصي
هذا جزئياً ما يحدث هنا ، هؤلاء الأشخاص الذين يلتقيهم ، يوجدون في الواقع في هذه المدينة إلى درجة ما ، ولكنه يستعملهم بتلك الطريقة الغريبة ليخبروك القصةعن حياته لتتعرف عليه فعلياً وعلى والديه وطفولته وبالتالي ما يخشى أن يصبح
إنه لا متعزي ، ولديه هذه الفكرة بأنه إذا أصبح عازف بيانو عظيم لدرجة كافية وإذا قدم أعظم الحفلات على الإطلاق يوماً ما ، كل شيء خذله في الماضي سيصطلح ، لديه هذه الفكرة اللامنطقية ، وأعتقد أن الوقت كفيل بكشف أنه لايمكن العودة لإصلاح الأخطاء وإن الذي ينكسر يظل مكسوراً إلى الأبد
ليلى النيهوم

Thursday, March 29, 2007

ابنة الطائر الطنان


Jeff Mihalyo"Hummingbird Boat"5.75" X 5.75"oil on pine2004
استغرقت كتابة رواية (ابنة الطائر الطنان)الحائزة على جائزة كيرياما للكتاب عام2006 م وهى الجائزة التى تستهدف كُتاب نطاق االمحيط الهادىء- ، استغرقت من مؤلفها الكاتب والروائى والشاعر والقاص المكسيكى حوالى 20 عاما ً من البحث التاريخي والثقافى والروحى لتكون جاهزة للنشر . وهى رواية تمتد لعدة اجيال لتعانق في مجملها روح تاريخ المكسيك الشديد الثراء والاضطراب ايضا.
ويقول مؤلفها لويس البرتو اوريا في حوار اجراه معه لاورو فلوريس استاذ الكرسى بقسم الدراسات العرقية بجامعة واشنطن لمجلة ووتر بريدج عن سبب كل هذا الوقت الطويل لينشرها قائلا : لعلها استغرقته اربعين سنة ، لو حسب الزمن الذى سمع فيه لاول مرة قصص تيخوانا هذه عندما كان في العاشرة من عمره ، غير ان ابحاث الرواية بدأت فعليا ً في عام 1985 م ، ولايمكنه الجزم بأنه قد بحث ونقب يوميا او كل اسبوع او كل شهر او كل سنة ابدا ً ، فقد كان ديدنه ان يبحث عن نصوص ومواد، ولطالما مضى به البحث بعيدا ً، حيث كانت تؤدى عملية البحث الى بحث آ خر وهكذا . ولوقت احس كأنما تلك النصوص تتوالد بصورة سحرية ، معلومات عن تيريستا التى طالما لفها الغموض والخفاء في الماضى ، كما كان من الصعب في اوقات اخرى العثور على اثر لها ، ولقد كان بصورة او اخرى كانه عمل تحريات ، إذ يقود مصدر خفى الى مصدر آخر اكثر خفاء ً وكان عليه في كل ذلك لملمة الخيوط المتبعثرة والخفية والمُتشابكة .
وقصة تيريستا تقع احداثها قبل وبعد القرن العشرين في المكسيك ، تلك البلاد المفعمة بالحياة والمحتقنة وغير المروضة التى كان يقطنها دونات اغنياء متعلمون وجنود مكسيكيون و ثوار بواسل وعمال مغبرون وهنود الياكى والمايو الفقراء ومطببون روحانيون وساسة فاسدون. مع الكثير من التفاصيل والمرح الممتع .في خضم كل هذا وفى خضم هذه الجوقة من الشخصيات المنتظمة في سير حثيث نحو ذروة روائية هائلة يقدم لنا اوريا" تيريستا" ، لب الحكاية والشخصية الرئيسية ، تلك البنت الهندية التى ولدت لأم من هنود الياكى ، تبلغ الرابعة عشر من عمرها تدعوها قبيلتها الطائر الطنان
بعد ولادتها نفرتها امها لتربيها خالة سيئة الخلق ، فتنشأ تيريستا في مزرعة الثرى – الدون توماس أوريا- الجد الاكبر للروائى في ولاية سينولا المكسيكية ، تقوم القابلة والشافية هولا بالاعتناء بالبُنية ، هولا التى يخشى الجميع ويعجبون في آن بقواها السحرية بمن فيهم الدون توماس الذى تعمل لديه ليتضح مع الوقت ان البنت تتمتع بالقدرة على الشفاء ، وهى هبة ورثتها عن جدتها
- ((كانت جدتك مضحكة ورثت مقدرتها من امها)).
- ((أية مقدرة ؟ )).
- ((المقدرة الوحيدة ، ايتها الطفلة، التوليد ، وفن النباتات، تلك الهبة)).
هولا المُطلعة على الاسرار وعلى سر تيريستا ، تعرف ان قدرا ًاعظم ينتظر البنت ، إذ حا لما بدأ شبه البنت بعائلة اوريا يفتضح ، تحمل الدون توماس - الشهير بعبثه- مسؤلياته كونه والدها فأحتضن تيريستا في قلبه ومنزله . وكانت هولا التى تـُعلم تيريستا اسرار النباتات والسحر ، تراقب قواها الشافية العظيمة آخذة في التزايد والتركيز ، حيث كانت الحرارة الشافية تنبعث من كفيها ، فيما تنحنى لتتعلم الاحساس بحياة النباتات وان تحلم حلماً ليس حلماً وأن تدخل فيه . تتعرض تيريستا في السادسة عشر من عمرها للإغتصاب ولضرب مُبرح تموت إثره مُباشرة ، ثم تنهض فجاة من موتها اثناء السهر على جثمانها كما جرت عادة قومها على ذلك ، لتعم انباء معجزة عودتها للحياة وقواها الخاصة ويصل إ نبعاثها الاعجازي وقواها الخارقة الى ذرى جديدة فيتقاطرآلاف الحجاج على المزرعة لرؤية الشافية المُعجزة عن كثب، البنت الميتة الحية، وللتبرك بها والتعالج على يديها، كُلٌ مدفوع برغائبه الدينية والسياسية والشخصية
وفى عمق الخط الروائى اثناء دعوة تيريستا الروحانية ، يرسم اوريا بلا قصد إضطراب ذلك الزمن والازمان التى تليه ، فقد ارسلت الحكومة المكسيكية التى يرأسها دياز قوات لقتل الهنود المتمردين فيما باع الوطن لاجل ذهب الياكى وطمعا ً في اموال الاوروبيين ، ولمعرفته ان الدون توماس يعارضه ويحكم قبضته على الولايات المحيطة بسينولا يحاصرها مما يضطرالدون توماس الى التراجع من مزرعة الى اخرى ، في الوقت الذى يضع فيه الناس قوى تيريستا في مرتبة قدسية ، لتصبح تعرف بالقديسة كابورا فتكون حافزا ً لتغيير مصير بلدها بالرغم من عداء الكنيسة الكاثوليكية لها. كما يستغلها الثوار لاغراضهم السياسيةفتنتهي مقتولة على يد دياز وحكومته
يقول اوريا الذى كتب قصة عمته الكبرى تيريستا انه ذهب الى اريزونا عام 1995 م ليكون من جانب اقرب الى شعب الياكى ومن جانب آخر ليُتاح له الدخول في تاريخ مجتمع اريزونا ، لينفتح له عالم الكوراندريون والشافيون ، فيتأكد له ان المادة التى تعنيه كثيرا في هذه الرواية ليس بالامكان تعلمها من كتاب او لفات ميكروفيلم مطلقا ، فقد تطلب الامر منه سنوات ليفقه كيف يكتب هذه الرواية ، فلم يكن حينها متعمقا في مهنة الرواية او معروفا، ولكنه ايضا وحسب كلام الكوراندى هو ابن القديسة ، وكان السؤال : كيف يمكنه قص سيرتها؟ وان يلملم تاريخ اسرته ويتحلى بالكبرياء اللازمة لإدعائه وترجمته في واقع روائى ؟ وكيف يمكنه ان يمثل شعب المايو؟ وكيف يتعلم التاريخ المكسيكي وهو الذى عاش بعيدا عنه في امريكا ومن ثم جعله تاريخه؟
لقد امضى اوريا وقتاً كافيا مع الشامانات السحرة الشافيين ليصدق ان تيريستا لاتزال موجودة في مكان لا يُرى ولايُحس ، فكيف يروى قصتها بأمانة؟ وصدق؟ وإعتناء؟ هل عبر نص تاريخى ، ام ادبى ؟ ، كانت الاجابة المطلقة بالنسبة له ان الادب يكون اصدق من ناحية عمق الروح ، اكثر من انواع الكتابة الاخرى ، فبمقدور الادب وحده ان يضع القراء في الحلم
وكانت امامه مُشكلة الخوف من الانغماس في الذاتية والخوف من ان يؤذى اسرته وهو الخلوق الاصيل ، وليس بسبب البوح بالاسرار الاسرية الخفية وانما بسبب انه اقدم على كتابة هذه القصة بالذات وهو ما يعده جسارة لايُحسد عليها
وهو يقول ان القراءة ثم القراءة ومن ثم ايضا ً القراءة هى المنفذ الى اين يجب ان يبدأ أى بحث ، فقد افادته في تمييز الحقائق من الاخطاء التاريخية والتلفيقات المتعمدة في الكتب المهمة كما بدأ فعلا يتعلم كيف يدرك الاشياء التى تتعلق بالموضوع الذى يشبعه بحثاً ، كما ان اللجوء الى الاسرة وذاكرتها امر ساعده كثيرا في كتابة روايته هذه ، ألم يحتسى في سبيل ذلك كميات هائلة من القهوة واكل الكثير من التامالا الخضراء والمينودو حد التخمة وجلس في الكثير من المطابخ رابتا ً على كلاب الاقارب ومستمعاً لسيل الحكايات؟
وإذ يرى بعض النقاد ان روايته إمتداداً للواقعية السحرية اللاتينية ، يحس اوريا بالفخر والشرف ، فقد بالغ النقاد حسب قوله- اذ قالوا انه اعاد احياء الواقعية السحرية - كما ولدهشته العميقة عده بعضهم وريثا لغابرييل غارسيا ماركيز!! ، فإن يقارن بماركيز العظيم ، ذلك شرف عظيم لدرجة انه من الافضل الا يتحدث عنه
ويحكى عن التغيير الكبير الذى حدث له في سنه الثامنة عشر عند إكتشافه لعالم الكُتاب اللاتينيين العظام السحرى ، غابو - ماركيز بالطبع- وبورخيس ونيرودا وكورتا ثار وفارغاس للوسا وغيرهم كما كان مصدوما في ذات الوقت ، كان الامر مربكا فقد اراد ان يسافر عبر الزمن ويتزوج الفونسينا ستورينى وان يفطر مع غابرييلا ميسترال ، كان مرعوبا من خوان رولفو لدرجة الا يجرؤ على حلم الالتقاء به لذلك ان يتم ربطه بعمالقة الادب اللاتينى هؤلاء كان شيئاً رائعا في نظره
والغريب كما يقول انه لم يفكر حين بدأ الكتابة ، ان يكتب رواية((واقعسحرية)) الاسلوب ، بل كان آملا فقط في ارضاء شبح مالكولم لاورى ، وكان خائفا ان يتفطن الناس الى انه حاول سرقة روح رواية (( تحت البركان)) ، وهو يعتقد ان ((السحر)) في روايته حقيقى مائة بالمائة ، وهو حقيقة تاريخية ، إن كل معجزات تيريستا عمته وبطلة روايته موثقة بالكامل ، وثمة حقيقة تاريخية اخرى ان تعاليم هولا ومانوليتو مؤسسة على تعاليم اطباء قبيلة حقيقيين واخيرا فإن المقاطع في روايته عن الاحلام الغريبة هى في الواقع اعمال سحرية قام بها الشامانات السحرة له وعليه، وباقى الخيال الروائى في كتابه يتمثل في ماذا أكلوا على الإفطار مثلا
ويقول قد يُلاحظ تداخل العنصر الاسيوى بشكل ما في الرواية ، فإذا دققنا النظر فيما حدث لتيريستا نجد انه كان ثمة تدريب أشبه بالتاي- تشي ، بل بما يشبه ما يحدث في أديرة الزِن ، فيبدو وكأنه نوع ذو نشأة تعبدية فيما الطاقة تهمهم عبر هذه المادة ، ويمكن فقط في المطلق الاعتقاد بأن قوى تيريستا ذات علاقة بقوى التشى ، وكان قد ذكر سابقا مالكوكم لوري ، ولكن أكثر الحضور في هذه الرواية هم أسياد الهايكو إيسا وبوزون واونيسورا
ولان معظم وليس كل رواياته تقع في الحدود الأمريكية - المكسيكية حيث ولد في تيخوانا وعاش على جانبي تلك الحدود مما أثر في كتابته ، ويقول لو أن احدهم اخبره كيف يتخطى الحدود سيفعل ، فإن يشب المرء منقسما إلى اثنين بسبب سور من أسلاك شائكة يجعله يرى الحدود أينما ولي وجهه ، فثمة حدود كثيرة قائمة بين الذكر والأنثى وبين اليسار واليمين وبين الأسود والأبيض وبين الحنطى والأبيض وبين الحنطى والأسود ، لذا فهو لا يحب الحدود ، بينما يحب الجسور ، لذلك لا يعد نفسه كاتبا حدوديا ً بل بناء جسور ، ويعتقد أن الحدود مهما كانت تسعى لان توضح نفسها عبره ، فلديها روح هائلة معذبة ولديها وسطاء بمكنتهم أن يجعلوها تحكى بصدق
وبالحديث عن تيخوانا حيث ان معظم الامريكيين ينظرون الى تيخوانا كونها نكتة ، فيما يشعر المكسيكيون بالحرج من تيخوانا ، فهم يقولون ان تيخوانا لا تمثل المكسيك ، فيما يرى أوريا انه يحب تيخوانا فرغم انها سيئة السمعة ومدمنة للمال الامريكى ومدمنة للإثارة الامريكية ومدمنة للصراع المشين القائم على طول سورها ، وهى بكل خوفها ويأسها وبؤسها هى ايضا مجتمع الصداقة والامل والروح المتماسكة ، وسيتعلم المرء لو عاش سنة او اكثر فيها وسط جامعى القمامة الذين يعيشون في المقلب ، سيتعلم عن النعمة والروح الانسانية اكثر مما سيتعلمه طيلة ثلاثين عاما من اللعب في ملاعب الغولف والتنس
ومثله مثل الكتاب من اصل مكسيكى ((التشيكانو)) يوظف التبادل الللغوى بين الانجليزية والاسبانية ، ورغم انه كان ممنوعا في صغره من الاتجاهين ومن تلفظ كلمة (( تشيكانو )) فقد كان في نظر والده مكسيكيا ومولود في المكسيك وليس تشيكانو وكان عليه ان يتكلم اسبانية قحة ، فيما كان بالنسبة لوالدته امريكيا وان ولد بالخطأ في المكسيك وبالتالى عليه ان يتكلم انجليزية قحة! وكان يمكنه التحول بين اللغتين بإضافة القليل من الكلمات المكسيكية على سبيل المزاح ، ولكن اذا سمح للغة الانجليزية التدخل في لغته الاسبانية فسيكون هذا علامة على فشل مكسيكيته وكونه مكسيكيا ودلالة على عدوى هيبية وانه اصبح دخيلا
ثم اكتشف ادب التشيكانو بعد تخرجه من الجامعة ، غارسيا ماركيز ونيرودا ، كانا الاولين ، وتخيلوا حجم إندهاشه عندما اكتشف الوريستا ورودى انايا وريكاردو سانشيز ، كل تلك الثلة! كانت رواية (( بلوروخا إبنة الامة)) لالوريستا كعاصفة لغوية نارية ، فهاهنا كاتب ذكى جدا ، متعلم جدا وخطر الى اقصى حد وهو ليس مثلهم فقد كان مخلوقا فذا لامعاً ، وكانت لغته او لغاته مثل موسيقى الجاز وهل تصدقوا لقد كان مكسيكيا ومولوداً في المكسيك
مع الوقت لم يعد يرى في ذلك هوى تشيكانونيا او لاتينيا، إذ يعتقد انهم مباركون ليكون لديهم نظام لغوى هائل وعليهم ان يستعملوه ، وان كانت قضية محاكاة للواقع ، فلم لا؟ الناس يتكلمون كيفما يتكلمون وعلينا ايجاد الوسائل لتثمين ذلك
يكتب اوريا الشعر والمذكرات والقصص القصيرة والمقالة، والشكل الادبى الذى يفضله، غير تجارى وهو مزيج من النثر والمقاطع الوصفية والهايكو او الهيبون ، ولقد تخفى هذا الاسلوب كثيراً في اعماله وافصح عن وجهه في احد كتبه بالكامل ، ويرى انه اذا كانت الكتابة من الاشياء الجالبة للغبطة العميقة والاشباع الاعمق والمتعة ايضا ، فهى من وجه آخر ليست تلك التجربة المبهجة في كل الاوقات
وهو قد دُرب نظريا ونقديا على التحليل والنقد وخلق الادب وذاك ما تعلمه في الجامعة وهو ايضا ما يقوم بتعليمه في هارفارد. ويرى ان اجناس الكتابة الثلاث ، الشعر والرواية والمقالة لديه تنبع من نفس البئر داخله والتحدى الاكبر فيها ان يخبر الحقيقة المطلقة حتى وإن كان يكذب
ليلى النيهوم

Thursday, December 07, 2006

هاروكي موراكامي وجائزة فرانز كافكا الادبية

اعلن مطلع هذا الشهر عن فوز الروائي الياباني هاروكي موراكامي بجائزة فرانز كافكا الادبية وُلد هاروكى مورا كامى فى طوكيو عام 1949م. وكان فى البداية يُدير نادي للجاز ثم تحول الى الكتابة . ترجمت اعماله الى 39 لغة ، ومن بين عديد الجوائز التى نالها ، تحصل مؤخرا على جائزة يومييورى الادبية التى سبق وحازها كل من : يوكيو ميشيما وكينزا بورو آبي وكوبو آبي اشهر الروائيون اليابانيون.
وكان موراكامي قد نشر رواية مؤخرا روايته : كافكا على الشاطئ وبسببها نال هذه الجائزة المهمة , وهي رواية عميقة وسوداوية ومحيرة مثلها مثل رواياته الأحرى الرائعة ذات الاسلوب الخاص به وحده , تقوم رواية " كافكا على الشاطىء" على امتدادها بإستكناه ، وأحيانا تحدى مفاهيمنا للزمن ، فأحكام الزمن المعروفة لا تسود فيها ، ولا تسيطر على أمكنتها وأشخاصها ، يتمدد الزمن فيها ، ويتقلص ، وكل ذلك على هدير اوتلكؤ نبض القلب ، وكذلك تتحدى مفاهيمنا للقدر والصدفة والحب وطبيعة الحقيقة البشرية في عمقها . تمنحنا الرواية صنوفا غنية من شخصيات غير اعتيادية وأحداث عنيفة , عشاق حسيين , شبح للجنرال ساندرز الخارق ، المُتغير الهيئات ، الرائي الشمولي الذى ليس بوذا ، وليس إلهاً ، واسماك تسقط من السماء ، وحوارات بين رجل وقطة وغانية مثقفة متفلسفة وجندي من الحرب العالمية الثانية لم يمسهُ الزمن , واشياء اخرى اكثر غرابة وروعة حيث تنشطب الحدود الفاصلة ما بين الماضى والحاضر ، الحلم واليقظة ، الفنتازيا والحقيقة ، وتنعتم لتمتزج داخل مرح ميتافيزيقى لتظل ثمة اشياء على المحك فى الرواية . فثمة جريمة قتل عنيفة تستوجب حلا ، وثمة علاقة آثمة على وشك الوقوع ، معقدة وتستوجب ايضا فك خيوطها المريبة والوقوف فى وجهها كي لاتقع وكي لاتتحقق النبوءة المريعة ، وكذلك طبيعة الواقع التي في ذاتها تتأرجح على كفة الميزان .
رواية " كافكا على الشاطىء" لاتقترب من أي شاطئ إطلاقا ، غير حالة الغرق التى تنتاب كافكا ، الغرق النفسى ، حيث يسود الرواية إحساس قاتل بالفقد ، وكأنما كافكا يلصق وجهه على زجاج نافذة تطل على عوالم اُخرى اكثر كمالا وصعبة المنال .
هى رواية مكتوبة ببراعة وبطموح وبعاطفة مشبوبة وبرشاقة تتجلى فى اسلوب مورا كامي التخييلي الفذ ، ففيها يستعير مورا كامى من كل شىء : من سوفكليس وافلام الرعب والخيال العلمى والرسوم المتحركة اليابانية ، وهي فى ذات الوقت جد واقعية وان كانت لاتخلو من العناصر السحرية حيث تاخذ القراء ليجدوا انفسهم يرغبون فى تقليب الصفحات اسرع فأسرع ليكتشفوا ما سيحدث ، ويُبطئوا ايضا ليتذوقوا عمق وجمال اسلوب مورا كامي السردي .
سبق وان كتبت عن هذا الرواية في مدونتي .. راجعوا الارشيف
ليلى النيهوم

Wednesday, May 17, 2006

الشخصيات المتروكة ولحظة الفراق الابداعى

عادة ما تقام فى نوادى الكتب فى الغرب امسيات دورية لمناقشة إصدار ادبى او ثقافى جديد وتقليب احتمالاته وما ابتدعه من جديد يحسب للكاتب ، ويرتاد هذه النوادى عُشاق الكتاب والمغرمين بفنون السرد من قصة قصيرة ورواية ومحبى الشعر وغيره من الاعمال الادبية الابداعية التى لم تعد فى يومنا الحاضر تؤمن بفواصل وحدود بين هذه الاجناس الادبية المختلفة ، كما لم تعد تؤمن بالقواعد الصارمة التى تجدد إقامة جبرية وعمراً زمنياً للشخصيات والزمان والمكان والحدث فى القصة القصيرة مثلا !
هذا التقارب الذى يتم بين المبدع والقارىء يجعل بينهما تفاعلاً ايجابياً ينتج عنه حماس لدى الكاتب للمواصلة والاتيان بالجديد ولارضاء نفسه الابداعى اولا ولارضاء القارىء المتعطش المثقف ، كما ينتج ايضا عن هذا التفاعل افكار جديدة وتوسعات ثرة فى آفاق الطرفين .
فى احدى امسيات نادى الغارديان للكتاب تصدى القراء لمجموعة قصصية للكاتبة البريطانية هيلين سيمبسون ، التى تحمل عنوان " هاى ، نعم ، اجل لتكن لك حياتك "..
يقول جون مولان : ان الامسية دارت حول سؤال ما الذى يحدث للشخصيات المتروكة فى القصة القصيرة ؟ وفى مُحيط هذا السؤال يستشهد مولان بالروائية جين اوستن وكيف انها كانت تقص على اهلها ما يمكن ان يحدث لشخصياتها بعد نهاية الرواية ، وقد تفطنت القاصة هيلين سيمبسون لهذه النقطة وارادت فى مجموعتها القصصية المتشابكة الحدود ان تجعل لشخصياتها عمرا اضافيا وان تعاود اظهارها هنا وهناك بعد انتهاء قصتها فى اكثر من قصة لاحقة فى المجموعة . غير ان قراؤها الشغوفين الذين لم تشبعهم تلك الامتدادات المتجاوزة لحيوات الشخصيات المحدودة ، ارادوا المزيد من العمر القصصى لها ، ارادوا متابعة حياتها ومعرفة المزيد عنها.
تقول احدى القارئات فى مدونتها الالكترونية – وهى بذلك تحدثت عما يدور فى خلد بعض القراء – قالت واصفة قدرة سيمبسون فى الوصول الى مكمن جوهر الحقيقة فى ظن مجموعة من الشخصيات وبقدرتها الرائعة هذه : هل ستمنحنا نحن قراؤها الا لتقاء مجدداً بهذه الشخصيات الرائعة التى شغفنا بها؟ وتضيف : كم احب ان ارى مرة اخرى " جاد " عندما تبلغ الاربعين من عمرها و" جاد " هى شخصية البنت المراهقةفى قصة الافتتاحية فى المجموعة ، وهى شخصية ذات ميول ادبية ، ترى انها بما احرزته من درجات نهائية متفوقة فى مادة النصوص الشعرية ، ترى انها مقدرة لشىء افضل من امومة رتيبة فى احدى الضواحى.
كما سأل عدة قراء القاصة فيما اذا شعرت بالاسى فى ذاتها لفراق شخصياتها المبتدعة ، وما اذا كانت راغبة ان تعرف المزيد عنهم ؟ كما لو ان نجاح القصة القصيرة اتاح لاحتمال مثير لفكرة المزيد من تاريخ وسيرة الشخصية.
ايضا اراد العديد من القراء ان يدفعوا بالمجموعه القصصية قدماً نحو شكل اقرب للرواية كوسيلة منهم لابداء تعاطفهم ، بل ان احدهم تجرأ وسأل القاصة المعروفة فقط بنشر القصص القصيرة : متى تتكرم وتكتب لهم رواية ، وهو السؤال الذى حظى بصمت من القاصة.

يقول مولان : ان اكثر الشخصيات التى لاقت اهتماماً كانت " دورى " العاثرة الحظ ، نقطة الارتكاز فى القصة التى تحمل اسمها المجموعة القصصية والتى عادت للظهور ايضا فى القصة الاخيرة بالمجموعة. كانت ردود فعل القراء متعددة ومتباينة ، بعضهم احتج على وصف سيمبسون لدورى كونها اشبه بممسحة الاقدام وآخرون رأوا فى ان كثرة تذمر زوجها منها لايعنى انها لاتصلح ان تكون اماً رائعة ، آخرون اعجبوا ببحثها عن الخلاص ، ونيتها للهروب، والغير اثنى على قدرتها على تحمل زوجها ، وهى شعبية حازتها" دورى " كشخصية مرسومة بدقة وبراعة وواقعية ، لحتى يصعب فراقها عند نهاية الرواية ، وهو شعور مريع يعترى كل القراء فى كل الازمان ، فلكم اجل البعض لحظة الانتهاء من القراءة لاجل ان يعيش فى الزمن الاحتياطى خوفا من لحظة الفراق..

Sunday, May 14, 2006

كافكا على الشاطئ - غراب الفضاءات السلبية

بُنيت رواية " كافكا على الشاطىء" وهى الرواية العاشرة للروائى اليابانى " هاروكى مورا كامى" حول الراوى كافكا تامورا فتى الخامسة عشر الذى يروى قصته وقصة ناكاتا الابله بتوالى وتوازى . وهذه الرواية التى تشبه الاستماع الى موسيقى يعتورها صوت صرير كرسى العازف ورغم ذلك يندمج الصرير فى اللحن وتمضى الموسيقى الى أوجها .
تبدأ الرواية عند هرب كافكا تا مورا فى ليلة عيد ميلاده الخامس عشر من بيته ومن والده النحات الشهير كويتشى تامورا لنعرف ان العلاقة بينهما ساءت جداً وان كافكا الذى حُرم من امه واخته مُذ كان فى الرابعة من عمره يحمله والده اوهاما أوديبية ويلقى عليه نبؤة اشبه بلعنة مقيتة حين يقول له : "يوما ما ستقتل أباك لتبقى مع امك مثل قدر "أوديب " وستراود اُختك ولامفر لك من قدرك هذا".
كافكا الذى يُخاطب فى خياله فتى يُسمى الغراب يلتبس ايضا فى الرواية مع كافكا الشاعر المعروف والذى يصر الروائى على ان نعرف ان كافكا فى التشيكية تعنى الغراب فى مفارقة لن تخفى على من يعرف تاريخ الغُراب مُنذ بدء الخليقة.
يخبر كرو كافكا ان المسافات لاتحل المشكلة ،" هى لم تفعل ذلك مع اوديب رغم كل ما فعل" ورغم ذلك يهرب كافكا قاصداً ابعد مكان عن ابـيه وعن لعنته.
فى الموازاة السردية وعبر فصول غريبة الترقيم نتعرف على شخصية ناكاتا ، المُسن والامى الساذج الذى لم يشف قط من حادثة وقعت له فى صباه عندما كان فى رحلة مع فصله واستاذه لجمع الفطر من الغابة حيث شع حينذاك برق فضى في المكان فجأة ليدخل الجميع فى غيبوبة ، خرجوا منها سريعاً ماعدا ناكاتا الذى استيقظ من الغيبوبة بعد عدة اسابيع ممحي الذاكرة تماما ومفرغا من الحياة، شىء ما افرغ عقله وتركه بطىء الفهم ولم يتعلم القراءة قط بعد ان كان قبلها فتى ذكياً...
تقود الصدفة ناكاتا الى بيت النحات كويتشى تامورا والد كافكا بعد رحيله بايام قليله ، وتقوده اوهامه الى ان يتخيل النحات قنينةًًًًًً " جونى والكر" ويتراءى له الرجل يتقمص جونى والكر الذى يسمْ ذاك النوع من الشراب فيقوم بقتله ويفر الى حيث فر كافكا قبله فى رحلة أفضت بالأثنين الى حيث توجد مكتبة خاصة صغيرة فى بلدة تاكاما تسو الريفية . ومن ثم الى ملتجى جبلى حيث لامكان للقوانين المُعتادة . وفى هذا المكان يقع كافكا فيما وقع فيه اوديب قبله ، فكلما حاول الفكاك من قدره ، كلما اقترب من تحقيقه . مثله ايضا يخرج ناكاتا بحثا عن مطلب غريب لايفقه مغزاه : حجر الدخول الذى يكون احيانا بخفة الريش ويثقل احيان اخرى لتنوء بحمله الرجال..
تندفع هذه الخيوط الروائية بعنف وبلا هوادة قدماً مثل قطارات تجرى على سكك حديدية متوازية. وان كنا ندرك انها رغم هذا التوازى حتما ستلتقى فى نقطة ما ، ولكنا لانعرف متى أو أين او كيف تُخلق الإثارة التى تجعل هذه الرواية آسرة جدا ذات اسلوب اشبه بحلم واقرب الى سورياليةاكوبو آبى الفاقعة والفاجعة..
تقوم رواية " كافكا على الشاطىء" على امتدادها بفحص ، وأحيانا تحدى مفاهيمنا للزمن ، فأحكام الزمن المعروفة لا تسود فيها ، ولا تسيطر على أمكنتها وأشخاصها ، يتمدد الزمن فيها ، ويتقلص ، وكل ذلك على هدير وتلكؤ القلب ، وكذلك تحدى مفاهيمنا للقدر والصدفة والحب وطبيعة الحقيقة البشرية في عمقها .. تمنحنا الرواية صنوفا غنية من شخصيات غير اعتيادية وأحداث عنيفة.. عشاق حسيين شبحين للجنرال ساند رز الخارق للطبيعة ، المُتغير الهيئات ، الرائى الشمولى الذى ليس ببوذا ، وليس إلهاً ، واسماك تسقط من السماء ، وحوارات بين رجل وقطة وغانية متفلسفة وجندى من الحرب العالمية الثانية لم يمسهُ الزمن. واشياء اخرى اكثر غرابة وروعة ، حيث تنشطب الحدود الفاصلة مابين الماضى والحاضر ، الحلم واليقظة ، الفنتازيا والحقيقة ، وتنعتم لتمتزج داخل مرح ميتافيزيقى لتظل ثمة اشياء على المحك فى الرواية . فثمة جريمة قتل عنيفة تستوجب حلا ، وثمة علاقة آثمة على وشك الوقوع ، معقدة وتستوجب ايضا فك خيوطها المريبة والوقوف فى وجهها كى لاتقع وكى لاتتحقق النبوءة المريعة ، وكذلك طبيعة الواقع التى فى ذاتها تتأرجح على كفة الميزان .
رواية " كافكا على الشاطىء" لاتقترب من أى شاطىء اطلاقا ، غير حالة الغرق التى تنتاب كافكا ، الغرق النفسى ، حيث يسود الرواية إحساس قاتل بالفقد ، وكأنما كافكا يلصق وجهه على زجاج نافذة تطل على عوالم اُخرى اكثر كمالا وصعبة المنال .
هى رواية مكتوبة ببراعة وبطموح وبعاطفة مشبوبة وبرشاقة تتجلى فى اسلوب مورا كامى التخييلى الفذ ، ففيها يستعير مورا كامى من كل شىء : من سوفكليس وافلام الرعب والخيال العلمى والرسوم المتحركة اليابانية ، وهى فى ذات الوقت واقعية وان كانت لاتخلو من العناصر السحرية مما تاخذ القراء ليجدوا انفسهم يرغبون فى تقليب الصفحات اسرع فاسرع ليكتشفوا ما سيحدث ، ويُبطئوا ايضا ليتذوقوا عمق وجمال اسلوب مورا كامى السردى .
وُلد هاروكى مورا كامى فى طوكيو عام 1949م. وكان فى البداية يُدير نادى للجاز ثم تحول الى الكتابة..ترجمت اعماله الى 39 لغة ، ومن بين عديد الجوائز التى نالها ، تحصل مؤخرا على جائزة يومييورى الادبية التى سبق وحازها كل من : يوكيو ميشيما وكينزا بورو آبى وكوبو آبى اشهر الروائيون اليابانيون..
تقع الرواية فى 436 صفحة وقد ترجمها الى الانجليزية فيليب غابرييل وهى من منشورات (knopf)
ليلى النيهوم









Thursday, April 20, 2006

موازنة اللغة في مواجهة تقلبات التاريخ

مجموعة مايكل اونداتجى الشعرية العاشرة " كتابة" عبارة عن حكايا مطرزة على سجادة حائط عتيقة فى صور مجاميع مشهدية وشخصيات غرائبية فى لا زمنيتها ، متناثرة فى خلفية طبيعية- خُرافية خادعة ، فلا أثر هنا لتكنولوجيا العولمة او الاستهلاكية الفجة التى عادة ما تصحبها عبر إنتشارها المتدرج ، مُزيحة فى طريقها الثقافات المحلية جانبا ، فى جريها المسعور المتوسع ابدا
تبدو القصائد للوهلة الاولى مُغرقة فى الخيال ، قُرى تعج بقاطعي حجارة ورُهبان يقتلعون سن بوذا ، وتماثيل تـُهرب عبر الساحل فى عبارات ، قد تكون كذلك لو ان من كتبها سائح متوهم مُلتبسة مُشاهداته ، ولكن اونداتجى هو من كتب ذلك فرغم ترعرعه فى لندن ، فقد ولِد لاسرة هندية هولندية من ما كانت تسمى فى السابق ( سيلان) وتسمى حاليا سريلانكا منذ عام 1977م ، ومن ذلك المكان استلهم اونداتجى كُل قصائده
فى قصائده يستعرض مقاربة صقيلة للتقلبات التاريخية الواسعة التغيرات التى تضع الحضارات واللغات فى مواجهة بعضها ، خارجة فى اندر الاحوال بنتائج سلمية
فى قصائد المجموعة توصيفات متكررة لعمليات إقتلاع النُصب المقدسة وتسريع تهريبها قبل وصول المزيد من حشود الغزاة ، وهى حالهم فى هذا القرن مثلما فى القرون العشرة الماضية ، حيث استمرت الايديولوجيات والديانات المختلفة فى التصارع المرير فى الجزيرة.
فقد تعرضت جزيرة (سيلان) سريلانكا وشبه القارة الهندية ، مثلها مثل العديد من اجزاء العالم لفتوحات وعصيانات مسلحة لا تـُحصى ، ونتيجة لكل ذلك عرفتا ايضا الكثير من الانزياحات الثقافية والتمازجات القادمة مع المدود المزلزلة عقب مرور الجيوش والقساوسة والمنجمين والمُحاسبين الذين يتبعون عادة هذه الجيوش عن كثب
نعيش فى الساحل القرونوسطي
جنوب ممالك المحاربين
في عصر الرياح الغابر
حين جروا كل شِيئ ورائهم
رهبان قدموا من الشمال
يخوضون حياض انهارنا
في السنة التى لم يأكل
فيها احد من اسماك البحر

وربما تـُضيق الكلمات التى تتكشف فى مجموعته الشعرية " كتابة " مساحة جغرافيا حيواتِ عاشت بأكملها فى نطاق نصف قطر القليل من الاميال ، برغم أمواج الثقافات العاتية التي ضربتهم . بيد ان عروقهم ضاربة عميقا في التاريخ , فى حين لايعرف الشخص منهم العالم فيما وراء القرية المجاورة أبداً , برغم ان الجزيرة كانت معروفة قديماً لدى رسامي الخرائط الإغريق والرومان ومن بعدهم الفرس والارمن والملاحون العرب
قد لا ترتحل حكمتهم التي احتفظوا بها دائماً ابعد من حدود قريتهم رغم تنقل بعضهم ، ولكنها تتجذر فىِ ظـُلمة القرون الوسطي ، وفى زجاج التاريخ المعتم حيث ينسحب الشاعر بذكاء من


حالة الكهانة وقراءة المستقبل ويلتزم بدلا عن ذلك بمحيط الحكي الاكثر رصانة ، واهباً شكره لما هو معروف وايضا للكيفية التى عُرف بها

لم اعد اضمن المستقبل
ولااعرف كيف ننتهى
ولا اين !
رغم ذلك اعرف قصة عن الخرائط

تفشل حالات وشروط العصرنة المُسلم بها فى مناطق العالم الغنية على نحو غير متوقع فى سياق المجموعة الشعرية . فجأة ينقطع التيار الكهربائى مُغرقا الغابة فى ظلامها الاصلى . ظلام رمزى يُبرز بريق الملابس التقليدية والمجوهرات والفخامة التى تـُميز سريلانكا ، ظلام يقدم العون لمستقبل متقلقل ورائع مثل الماضى حيث

السائر على الحبل المُعلق المشدود
من كارونيقالا
حيث اغلق المتمردون المولد الكهربائى
وقف هنا
مُتأرجحا فى الظلام فوقفا

يعرف اونداتجى جيدا سُبل التفانى ، سواء فى سبيل العائلة و الدين او العادات التى تـُغذى الحضارات ويستعملها لاجل توضيح رؤيته الخصبة والصادقة فى آن , هذه المجموعة الشعرية المفعمة بالغرائبية ، تعبير راق ٍ لقدرة اونداتجى على موازنة اللغة برقةٍ ودعةٍ فى مواجهة تقلبات التاريخ الزلقة ، الخطرة التى تخلق عوالم داخل عوالم
مايكل اونداتجى ، كاتب وشاعر كندي – سريلانكى ، اصبح مع السنوات من اكبر كُتاب
المستعمرات السابقة – الذين يكتبون بالانجليزية وتأكدت شهرته العالمية مع رواية
( المريض الانجليزى ) التى حاز بها على جائزة بوكر البريطانية ، وتحولت فيما بعد الي فيلم سينمائي حاز عدة جوائز اوسكار , له العديد من الروايات والمجموعات الشعرية مثل " بيلى الطفل – الاعمال الكاملة" و " بادي بولدن الاسطورة " وفى " إهاب الاسد و" موسيقى بلوز بادي بولدن "

Sunday, March 05, 2006

زقاق الهشيم - تفاصيل روائية

قيل أن كتابة رواية هي رحلة في عمق المجهول ,رحلة طويلة ومضنية يمضيها الكاتب وحده ضائع في متاهة شخصيات تتمرد على مختلقها وتختار طرقها لوحدها مستعبدة قلمه ومتحكمة في قدرها الخاص.وهي هواية المتوحدين, الذين يمنحون أنفسهم لنداء الورق وإلحاح الحبر وسطوة الخيال.وهي صنعة الذين يتمتعون بسعة البال والقدرة على الاختفاء لوقت طويل عن المرح واللهو والتأنق والأهل والصحب والخلان والقيل والقال.
وايضا الرواية نوع من الحفر والتأسيس والتشريح الجسدي والنفسي وتصميم الأزياء وهندسة الديكور والجغرافيا والتاريخ بل والدراية بكل العلوم الممكنة , وبكل تأكيد الدراية بالحياة والانتباه للتفاصيل حتى العابر منها .
الروائي إنسان يقظ متحفز للآخرين والأمكنة والزمان حتى وان كان غير متيقظ لنفسه.
حول هذا وخلافا له تتحدث الروائية الأمريكية جاكلين ميتشارد صاحبة العديد من الروايات والمجموعات القصصية وكتب الأطفال لمجلة ذاريتر : -الكاتب- التي تعني بشئون الكتابة وتعتبر منهلا للكتاب الغربيين.
حازت ة جاكلين ميتشارد- صاحبة افضل الروايات مبيعا - الشهرة والثروة , ولكن هذا كله لم يجعل شخصياتها تتصرف بلياقة عن ذي قبل كما تقول مازحة ا ن شخصياتها تخذلها ولا تأخذها في رحلات رائعة مثلما تفعل شخصيات أصدقاءها الكتاب الآخرون , تضيف مازحة أن شخصياتها كسولة , نهمة, ما ان اترك حاسوبي حتى تخرج المشروبات ورقائق الذرة وتلتهم كل ماتجده إمامها ,و عندما أعود أجدها في حال سيئ لاهية صاخبة , لذلك افرض عليها جدول عمل صارم مثل الذي افرضه على نفسي.
صدرت رواية ميتشارد الأولى : طرف المحيط العميق عام 1996ف عندما كانت في الأربعين من عمرها , ووصلت حينها الى المرتبة الأولى في مختارات نادي أوبرا وبنفري للكتب وتحولت لاحقا الى شريط سينمائي.
أخر إعمالها الروائية : زقاق الهشيم . وهي رواية تحكي انهيار اسرة صحفية كاتبة عمود نصائح بعد أصابتها بتصلب شرايين مضاعف.
تعيش ميتشارد وهي أم لست أبناء تتراوح أعمارهم بين سنتين وعشرين عاما في ماديسون في ولاية ويسكونسين.
تحكي ميتشارد عن قصتها مع الكتابة وكيف تكتب في خمس نقاط اختصرت فيها تجربتها الروائية بادئة بماذا : تقول لأن هذا ما أجيد فعله , فلو كنت أحسن الغناء لكنت أصبحت مغنية . تضيف إن الناس تتعلم من خلال القصص أكثر مما لو حاولت إن تشرح لهم ببساطة ما تعتقد انه حقيقة كونية. ولذلك لماذا رغم انني لست متدينة تماما فقد قرأت الأنجيل مرتين بتعمق.
وتقول في شرحها لأهمية الأفكار لنسج رواية ان كل رواية تبدأ بسؤال, ماذا لو ان امرأة عملها تقديم النصائح للأخرين وخلال كل الوقت , وبدون ان تدري اصبحت حياتها مثل الرسائل التي تتلقاها ؟ او ماذا لو ان طفلة شاهدت جريمة تمس أسرتها , وكان والديها قادرين على الصفح عن المجرم ورفضت هي ؟ لذا فأنها دائما تبدأ بسؤال وتكون الرواية هي الإجابة وإنها وجدت حسب قولها ان" اللحظة عندما يتغير كل شيئ للأفضل اوللأسو أ" كما قال احدهم يوما , عندها اكون عثرت على قصتي .
في تحليلها لكيف تكتب تصل ميتشارد الى الشخصيات , فتقول ان اجمل ماقاله النقاد عن كتبي ان شخصياتي حية وتتنفس كأشخاص عرفتهم , فهي ليست جواسيس او عملاء مخابرات او خبراء جنائيين . شخصياتي هم جيرانكم : الذين تلمحهم خلف النافذة المضاءة حين تمر في الليل – تلك رواية , وفيها تحدث الأشياء دراميا بطريقة لا يمكنك تصديقها لو كنت ذبابة على الجدار. انا اكتب عن اناس عاديون لأن حياتهم تشدني , وايضا لأنني واحدة منهم ايضا , فأنا ابنة سباك من الجانب الغربي من شيكاغو لا حسب ولانسب.
وتتحدث جاكلين عن البحث وهو أهم جانب بل هو البنية التحتية للرواية التي تسعي لمراتب متميزة في سباق الجودة والفرادة وقلوب القراء والتاريخ ايضا.
تقول: انا مولعة بالبحث . والنثر عالم غير مرئي ,ولكنه عالم حقيقي , ويجب ان يكون فيه نوافذ وخزانات و وبناطيل "بلو جينز" ويجب ان يكون مقاسها مناسبا . يجب ان تعرفوا ماهو طول االشخصية مثلا وماهي الموسيقى التي تستمع لها وعلى أي جانب من الفراش تنام ولماذا . لا استطيع ان اقول فقط في "زقاق الهشيم" , "ان غاب يعاني من صعوبة في التعلم , يالله ان الاولاد الاخرين عايروه بذلك", بل يجب ان اعرف تحديدا أي نوع من هذا النقص وكيف يؤثر فيه في كل مستوى تعليمي , حتى لو لم استعمل كل المعلومات التي توصلت اليها في بحثي . البحث اشبه بأن يكون لديك حليب مجفف اثناء عاصفة ثلجية – اذا احتجته , تجده هناك , ويمكنك حتى ان ترسم عليه.
وتضيف ان كل رواية كتبتها كان لها مخزونها المحفوظ من ابحاث ,كأنها في خزان محكم يجب ان يوجد لدى أي كاتب رواية جدير بكونه روائي حقيقي يغرف منه متى يشاء. وتوضح انه عندما يصل منسوب خزانها البحثي الى ثلاث ارباعه تعرف انها مستعدة عندها للشروع في كتابة الرواية.
ومن اهم نصائحها لمن يرغب في كتابة رواية جيدة ان يقرأ كتبه المفضلة مرارا وتكرارا ومحاولة نسخها , ولايعني هذا نسخها بمعني الكلمة انما كما في حالتها كانت تمضي تحاكي اسلوب ترومان المتلخص في : كلمة-واحدة-ستكون – مناسبة –اذا-كانت-اسلوبيا-الكلمة –المناسبة.وبهذا فقد وصف لها ماتعنيه رشاقة الأسلوب. وقد نسخت ونسخت اسلوبه واسلوب اخرين يعجبونها , حتي وجدت اسلوبها الخاص.وتقول انها تعرف ان لدى العديد من الناس قصصا رائعة في جعبتهم . ولكنهم لايجلسون لتدوينها لأنهم لايعرفون من اين يبتدأوا . تقول ناصحة عليهم ان يبدأوا ب : "كان يا ما كان" ثم يعودون لاحقا ليجدوا اين الرواية ابتدأت فعلا
.

Saturday, January 21, 2006

قراءة في رواية دافنشي كود

"عقدة " شيفرة دافنشي

السؤال الذي يطرح نفسه بشدة : ماهي الرواية بالتحديد اليوم وماهو دورها كصنف ادبي يغرف من المخيلة ومن الواقع معا ؟ لنقل اننا قد نصل الأن الى اقتناع ان ثمة دورا اخر قد تلعبه الرواية غير ان تحكي قصة طويلة مليئة بالشخصيات والمفارقات وحبكة مثيرة ومكان وزمان وخيال جامح ومواعظ ودروس ؟ يبدو ان ثمة دورا خفيا احيانا حتى على المؤلف ذاته واعني بذلك الروائي الذي قد تجره روايته من تلابيب قلمه تملي عليه مجرياتها او تتمرد عليه لتخلق سياقها الخاص اولنقل من جانب اخر ثمة ايضا كاتب متقصد لم يجلس ليكتب رواياته الأ بعد سنة او سنوات ابحاث مضنية في بطون امهات المتب المنسية عمدا في دهاليز سرية وفي مكتبات لايؤمها الأ خاصة الناس , وكذلك في البحث الدقيق المتقدم والمدفوع سلفا في أليات البحث الألكترونية الدقيقة , فُكتاب هذه الروايات المدروسة ليسوا بالتواضع الكافي كي يجلسوا امام لوحة المفاتيح ليرقنوا روايات بسيطة وساذجة،
فالروائي الطموح جدا ينسج كساء لشخصيات درسها مسبقا وعلمها المشي والنطق وفق منهجه الخاص ودربها ايضا لتسرد قصة من خلالها يمرر للقراء بختلف مشاربهم معلومات موجودة ولكن غير متاحة , معلومات يهمس بها فقط ، من شأنها ان تخلق نوعا من البلبلة والتشكيك والأستنكار كما من شأنها ان تزعزع المفاهيم السائدة عند البعض وتعززها عند البعض الأخر، وتعطي للعقل مساحة جديدة للتفكير او في افل الأحوال تزرع الشكوكية في عقول شغوفة بالشك. هذا ماقد يتنامي في الذهن عند قراءة رواية تشكيكية مثيرة للجدل مثل رواية شفرة دافنشي او دافنشي كود للروائي الأمريكي دان براون الذي اصبح بين شفرة وسواها اشهر من لوحة الموناليزا .
لقد سئل دان براون كيف جاءته فكرة الرواية فقال:
قد كانت فكرة هذه الرواية بالذات ما تنفك تطرق بابي مرارا حتي فتحته لها,وقد عرفت لأول مرة بوجود اسرار مخفية في لوحات الرسام الأيطالي الأشهر ليوناردو دافنشي عندما كنت ادرس تاريخ الفن في جامعة اشبيلية بأسبانيا. بعد عدة سنوات صادفني نفس الموضوع في كتب حول الغاز دافنشي اثناء انهماكي في ابحاث لروايتي " ملائكة وشياطين" و " محفوظات الفاتيكان السرية" لهذا رتبت زيارة لمتحف اللوفرحيث كنت محظوظا كفاية بمشاهدة اصول اهم واشهر لوحات دافنشي واتيحت لي الفرصة بالتدقيق فيها وتدارسها مع مؤرخ غني امدني بفهم افضل لغوامض هذه التحف الفنية. منذاك الوقت ولاحقا اصبحت ممسوسا بهذه الموضوعة الروائية فأمضيت عاما كاملا في الأبحاث وتجميع المعلومات قبل ان اكتب الرواية
ويضيف موضحا ان نجاح الرواية الساحق اذهله , لقد عمل عليها بجد متناه وبالفعل توقع ان يستمتع القراء بها, ولكنه لم يتخيل قط ان يستمتع بها كل هذا الجمهور العريض من القراء فقد كتب الرواية اساسا وعبر مجموعة من الشخصيات الروائية لتتحرى افكار يجدها بشكل شخصي مثيرة , ثم ثبت ان هذا النظريات تلاقي صداها لدى عدد لايستهان به من الناس.
وقد ثار جدل ولغط كبير حول هذا الرواية وخرجت من بعدها روايات وكتب تفند ماجاء فيها والكثير من الدراسات النقدية والمقالات التي احصت حتى انفاس دان براون اثناء كتابتها وتقدم كتاب وروائيون وبحاث ببراهين يتهمون وفقها المؤلف بسرقة اجزاء من اعمالهم دون الأشارة اليهم وتجميعها معا في كولاج روائي مموه بذكاء الأحاجي والألغاز التي دوخت ابطال الرواية في لهاثهم ورائها من بلد الى اخر. كما اثارت الرواية ايضا حفيظة الأوساط الدينية الكاثوليكية وعلماء اللاهوت واليهود والإيطاليون وعلماء الفلك والفاتيكان والمعماريون والقائمة تطول. نشطت الرواية ايضا حلقات النقاش في غرف المحادثة والمنتديات الألكترونية في الأنترنت , فأن تطلب مثلا :da vinci code او dan brown من google سيأتيك بمالا علم لك به من قبل من معلومات لو شئت التعمق فيها لتطلب منك وقتا طويلا , ستجد الكثير عن الغريل ومريم المجدلية الزوجة المزعومة في الرواية للسيد المسيح وسلالتهما المقدسة السرية الى يومنا هذا وعن دافنشي والاعيبه وسخرياته التي لازالت تقهقه عبر القرون وتطل خالدة تسخر من الجميع في لوحات الموناليزا او انا دافنشي كما تزعم اخر الدراسات التحليلية وايضا امونوايزا : امون وايزيس الفرعونيين , كما ستقودك آليات البحث لو كنت على درجة عالية من الفضول الثقافي والعلمي الى مواقع تشترط ان تكون قرأت الرواية لتدخلك في اسئلة تختبر من خلالها مدى قدراتك الأستيعابية للكم الهائل من المعلومات والأحاجي والألغاز ومتحف اللوفر وعدد ممراته والرموز والشخصيلت الخفية في لوحة العشاء الأخير وشيفرات دافنشي ومتوالية فيوباتشي وطقوس بيوس غاموس والأوبوس داي واسماء بعض الكواكب ومواقعها ودلالالتها في الفقه الفلكي والمعاني والأشارات الخفية المدسوسة في الرواية نقسها وستجد متعة لاتضاهي وانت تقبل بهذا التحدي. كما يمكنك الدخول الى لعبة الكترونية تتحدى ايضا ذكاءك وشجاعتك وتوغل بك الى متاهات كانت لارا كروفت لتفر فزعة منها , مشاهد وادوات تعذيب ذاتي اشتهرت به احدى الجماعات الدينية التي تجد خلاصها في الألم , وكذلك تمضي بك اللعبة الى كهوف وحجرات صخرية اسفل كنائس قديمة بنيت فوق معابد غابرة كانت تقدس الأنثى المقدسة في اشارة الى امومية المجتمعات الأنسانية الإوالية , ورسوميات شفيفة لشيفرات قديمة مخفية وسط ركامات هائلة من الخداع البصري عليك ان توقض عينك وتدربها وتكيفها سريعا لتكتشفها لتنطلق بعدا الى مرحلة اصعب في اللعبة.
عالم كبير شديد الحراك والمتعة الذهنية والبصرية نمى في ظل محض رواية ! ولكن كيف تأتى لدان براون كتابة مثل هذه الرواية ؟ كيف امكنه ان يطعم كل هذه المعلمات الكثيرة في روايته دون ان يفقده تماسها وترابطها؟
يقول دان براون
كتابة رواية اثارة ومعلومات مكتضة ومتماسكة في نفس الوقت مثل صنع حلوى القيقب السكرية , حيث عليك ان تستقطر مئات اشجار القيقب , وتغلي قدور من عصارتها الصرفة , وتبخير ماءها , وغليها حتى تحصل على كتلة صغيرة تحتوي كل الخلاصة , وبالطبع يستدعي الأمر استعمال زر الحذف في الحاسوب بسخاء , وتظل مراجعتك وتصحيحك لما كتبت اهم خطوة في كونك روائي , ان التخلص من الكلمات الفائضة في النص حتى تقف رواياتك شفيفة في نقاء البللور امام القارئ . يجب ان تعلموا انني مقابل كل صفحة نشرت في رواياتي كنت قد كتبت عشرة صفحات انتهت جميعها الى سلة المهملات
من طقوس دان براون الكتابة في ساعات الصباح الأولى ويقول انه لم يكن جالسا في مكتبه في الساعة الرابعة صباحا سيشعر وكأنه اضاع افضل اوقات الكتابة المثمرة. وكما يفضل الكتابة مبكرا يحتفظ بساعة زجاجية عتيقة على مكتبه ليستعين بها عند نهاية كل ساعة على التوقف عن الكتابة ليقوم ببعض التمرينات الرياضية الخفيفة لتنشيط الدورة الدموية والأفكار ايضا. كما انه يمارس رياضة الوقوف على الرأس ويرى انها تساعده في حل تحديات الحبكة الروائية من منظوره المقلوب
نشرت هذه الرواية الممتعة عام 2003 عن دار نشر دبلداي فيكشن , وترجمت الى ما يقارب من اربعين لغة من بينها العربية ترجمة سمة محمد عبدربه الصادرة عن الدار العربية للعلوم ,وبيعت منها مايقارب 40 مليون نسخة حول العالم , وحولت الى فيلم سينمائي من انتاج افلام كولومبيا
يفضل دان براون الذي اسمته مجلة التايم واحدا من مائة شخصية عالمية ذات تأثير والذي ظهر في العديد من المحطات التلفزية الفضائية الشهيرة وعلى صفحات العديد من المجلات المهمة , من الكتاب كل من جون شتاينبك لبراعته في الوصف وروبرت لودلم لبراعة حبكات رواياته وشكسبير لألاعيبه اللفظية. كما يرى ان افضل هدية على الإطلاق قاموس اكسفورد الأنجليزي مجلدا تجليد فاخر ومعه مكبر بالطبع للتمكن من قراءته كان هدف دان براون من كتابة هذه الرواية ان تكون نقطة انطلاق للقراء كي يناقشوا قضايا الأيمان والدين والتاريخ المهمة ولم يعلم انه بهذا يفتح ابوابا لن تقفل لسنين قادمة وانه بأقترافه هذه الرواية المثيرة قد دمر سوق النشر ووضع الناشرون امام مطب صعب تجاوزه بدون رواية اخرى في قوة شيفرة دافنشي ,كما وضع كتاب الرواية امام عقدة اسمها شيفرة دافنشي ستطاردهم طويل
----------------------------------------------------------------------------------
ملاحظة: اعتمدت في هذه المقالة النقدية الأنطباعية علي قراءتي الخاصة للرواية
وعلى موقع الروائي دان براون
ليلى النيهوم
صحافية وكاتبة ومترجمة ادبية ليبية