Showing posts with label short story. Show all posts
Showing posts with label short story. Show all posts

Wednesday, October 21, 2009

دون إسيدرو


دون إ سيدرو

Gardening spree
Photo: Laila Neihoum
قصة : بروس هولاند روجرز
ترجمة : ليلى النيهوم
في الليلة الاخيرة تلك، كل من اتي لزيارتي ادرك انني كنت احتضر. ادركت ذلك بنفسي. كأنما كان لدي قطن في اذني، تناهي الي صوت دون ليناردو يقول لزوجتي، "دونا سوزانا، اظن الوقت حان لأستدعاء الكاهن،" وفكرت ، اجل الوقت حان. لم يكن لدينا كاهن خاص بنا ولا حتى كنيسة، لذا اضطر احدهم ان يقود شاحنة تحميل ليحضر الكاهن من ايل بوينتاثيتو. ولكن لا يغرنكم ما قد يقال في مالاباسا او بالبن دي براندا فنحن هنا نظل كاثوليك. نحن فعلا نصنع الجرار على الطريقة القديمة. لذلك ياتي السائحون الى هنا. وحقيقي ما يهمس به احيانا عن كوننا اعدنا احياء ممارسات اخرى معينة من الماضي. ولكن ليس مثلما كانت تنفذ حينذاك. تلك كانت ازمانا دموية مريعة، ازمان الميهيكا*. يقال ان قرابين الدم انذاك قد غطت معبد الشمس من ادناه الى قمته. حمدا للعذراء، لم نعد نقترف مثل تلك الافعال
بعد وقت قصير من مجيئ الكاهن وذهابه متُ. انتشر الخبر. اسرع القوم الى بيتنا. طلب اهلي اولا الاشياء التي يرغبونها من حاجياتي.ومن بعدهم طلب الجيران. وقف دون فرانثيسكو قرب جسدي وقال،" دون إسيدرو، اتسمح لي بمجرفتك؟ احتاج واحدة، ويمكن لأصهارك ان يستخرجوا صلصالا جديدا لسوزانا." قلت، " خذها حلال عليك
قالت سوزانا، " قال لك خذها
التالية كانت دونيا اوستاثيا. طلبت واحدة من السيقيتاس* خاصتي لكشط الجرار
قلت، " بالطبع. خذيها مباركة عليك
فقالت سوزانا، " يقول لك خذيها."
عندما جاء دون توماس، طلب حذائي عالي الرقبة، ذا الجلد الاحمر وزخارف الديكة المخاطة عليه.
قلت، " توماس، ايها السارق الوغد! اعرف جيدا انك سرقت اثنتان من دجاجاتي تلك الليل لسبع سنوات مضت لتطعم غانيتك في بويبلا. وها انت لا تأتي طالبا سيقيتا او بعض الاسلاك، انما حذائي الجيد عالي الرقبة !"
وسوزانا قالت، "قال خذه." بالطبع لأنها لا تستطيع سماعي. على اي حال، كنت سمحت لتوماس بأخذه. اردت فقط ان اراه يتورد خجلا ولو لمرة
جاؤوا وطلبوا كل شيئ سوزانا ليست في حاجته. طلبوا حتى اشياء لم يكن من الضروري طلبها. طلبوا اشياء كنت قد وعدتهم بها
حتى انهم طلبوا اذنا لإستخراج الصلصال الابيض من المكان الذي احببت العثور عليه فيه. طلبوا، ووافقت، مع بركاتي. فلسنا اللا اناس مهذبين
اخر المطاف، طلبوا خصلات قلال من شعري ليصنعوا منها فُرش لطلاء الجرار. قصوا الخصلات الباقية بأمقاصهم. وطلبوا يداي وبتروهما بسكين لذبح الماعز
قالوا، " دون إسيدرو، نريد وجهك." وافقت فسلخوا جلد وجهي بعناية وحنو
وضعوا يداي في برميل معدني واحرقوهما. جففوا وجهي في الشمس. وفي الاثناء، كفنوا باقي جسدي ودفنوه في مدفن الكنيسة وفقا لتقاليد الكنيسة
بقيت لبعض الوقت بعد ذلك في فراغ، في اللامكان. لا اسمع. لا ارى. ولم استطع الكلام. لم اكن في مكان ما، ولم اكن في بيتي، ولا في لحدي تحت الارض. لامكان. غير ان الوضع سيتغير
طيلة حياتي، علمت اناس اخرون بقريتي كيف يصنعوا الجرار كما اصنعها. ولم يكن امرا ذي بال. كلنا نقوم بذلك. كنت اصنع جرار دون اسيدرو خاصتي، فيما عدا حين علمتني دونا ايزابيلا كيف اصنع مثل جرارها المنمنمة، او عندما شرح لي دون ماركوس كيف يطلي جراره. حينها ولوقت، كنت اصنع جرارا منمنمة مثل دونا ايزابيللا او جرارا مطلية بأسلوب دون ماركوس. عندما ذهبت دونا هنيفرا الى العاصمة لترى الطيور والحيوانات على الجرار الاثرية وقامت من بعد بمحاكاة تلك الزخارف، ارتها لنا، وسرعان ما تعلمنا كيف نرسمها. عدا ذلك كنت اصنع جرارا على طريقتي الخاصة، وان غشتها بعض الاحيان لمسة بسيطة من لمسات ايزابيللا او ماركوس او هنيفرا التي تعلمتها منهم وجعلتها لمساتي
اليوم بعد اسبوع من موتي اصبح جميع من بالقرية يصنعون جرارا كما كنت افعل. حتى الاطفال ان كانوا كبارا كفاية ليصنعوا جرارهم. قام الجميع بأستخراج الصلصال الابيض من بقعتي المفضلة ونقعوه ثم صفوه وتركوه ليرشح بعدها تخلصوا من الماء الزائد عن الملاط. عندما جف الصلصال كفاية، خلطوا معه رماد يداي. ثم صنعوا تورتيات* صلصالية وكبسوها قاعدة لقوالب جصية كبيرة، مثل تلك التي اعتدت استعمالها. واستعملوا في بعض الاحيان قوالبي. صنعوا ثعابين من الصلصال الصقوها على تلك القواعد ولفوها على استدارة القوالب من الاسفل الى الاعلى. وحيث ليس لجراري اعناق لذلك ليس لهذه ايضا
قام القوم--- اسرتي وباقى من بالبلدة--- بكشط الجرار حد النعومة وفركها لتلمع، ومن ثم طلوها بطلاء اسود مستعملين فرش من شعري وبالنسبة للزخارف لو كنت مكانهم لرسمت عليها سحالي وارانب بظهور مقسمة مربعات، او غيرها مربعات فقط تبدأ كبيرة حول وسط الجرة وتزداد صغرا عند حافتها. تلك بالفعل جرار على طراز دون اسيدرو
ثم قاموا بحرقها وحملوا التي لم تكسرها النار الى بيتي. وضعت سوزانا الجرار في جميع ارجاء الغرفة الامامية، وحتى في الفراش حيث كنت مسجى
ولكنني لم اشهد كل ذلك. عرفت فقط بحدوثه
تُركت تلك الجرار في بيتي لا يمسها احد. احرق القوم الُفرش المصنوعة من شعري
في اليوم الثالث اقاموا مآدبة في بيتي. على الارجح كان ثمة كل انواع التماليس* وبعض الزيتون واللحم، وبعض القلوبات والفاصولياء.احتسى الرجال والنساء شراب البولكي، ولعله كان ثمة عصير البطيخ للأطفال. غربت الشمس. اوقدت الشموع. ونار في مدفأتي
عند منتصف الليل، فتح دون لينادرو صندوقا واخرج منه القناع المصنوع من جلدي. وضع وجهي على وجهه، ففتحتُ اعيننا. لقد حضرت من اللامكان. امسيت في الغرفة. نظرت الى الوجوه، لعيون الاحياء المشرعة، لسوزانا واضعة يدها على فمها. ابصرت احفادي، كارلوس وخاليا، آنا وكينيتو. وللمرة الاولى، استطعت رؤية الجرار في غرفة المعيشة. كانت تتوهج على ضؤ الشموع. معا، مشيت انا ودون لينادرو الى غرفة النوم ورأيت الجرار هناك على السرير. عدنا الى غرفة المعيشة، وقلت بفمنا، " ارى انني لم اعد ميتا
" لا، لا، دون اسيدرو،" اكدوا لي. " لست ميتا
ضحكت فذاك ما ترغب في آتيانه عندما تدرك انك لست ميتا
عندها قام دون لينادرو برمي القناع في النار، فلم اعد موجودا في القناع. امسيت في الجرار. في تلك الجرار المستديرة المجبولة بأيدي اصدقائي ومنافسي واسرتي وجيراني. كنت هناك، في كل واحدة منها. اخذني الناس من بيتي، جرة اثر جرة، فدخلت بيوتهم معهم. وفي بيتي السابق، تركوا واحدة صنعتها سوزانا على طرازي
من تلك الليلة فصاعدا، كنت في كل القرية. خزن الناس الذرة داخلي، او الارز، او الفاصولياء. استعملوني لجلب الماء. وانتشرت بعيدا من هناك، فاذا جاء السواح لشراء جرار وحدث ان اعجبو بي، سيقول البائع، " اوه. هذا دون اسيدرو وسيهز السائح رأسه ولربما يشتري الجرة التي ظن انها من صنع دون اسيدرو
لازلت في قريتي الصغيرة، ولكنني موجود في ستوكهولم ايضا وفي سياتل. انا في تورنتو وفي بوينس ايرس. بعض مني في العاصمة مكسيكو، رغم انني في الاغلب لازلت في البيت هنا في القرية حيث ترعرعت، وطعنت في السن ومت. اقف على رف سوزانا حيث بامكاني مراقبتها تعجن تورتيات عادية لافطارها او تورتيات صلصالية لجرارها. لقد طعنت في السن، لكن يداها لازالتا سريعتان مثل العصفور. احيانا تدرك انني اراقبها، فتنظر خلف كتفها وتضحك. سواء ارد بضحكة سمعتها ام لا لكنها عميقة وممتلئة ومستديرة مثل جرة كبيرة عظيمة على طراز دون اسيدرو


----------------------------------------------------------------------------------------------
ملاحظة المترجمة : تركت الكلمات المكسيكية كما هي مثلما تركها مؤلف القصة في النص الانجليزي اتباعا لدقة ومصداقية الترجمة
ميهيكا : المقصود بها حضارة المكسيك القديمة وما كانت تمارس فيها من شعائر وطقوس دينية تخصها
السيقيتاس : اداة دقيقة لكشط الصلصال وتنعيمه
تورتيا : نوع شهير مكسيكي من الخبز الدائري المسطح
تمالي: نوع من الفطائر المستديرة المحشوة والمطبوخة في لفائف اوراق كوز الذرة
البولكي نوع من شراب الصبار المخمر

Tuesday, October 20, 2009

الحب يبدا في الشتاء



الحب يبدأ في الشتاء



الحب يبدأ في الشتاء مجموعة قصصية للقاص والصحفي الويلزي سيمون فان بووي صادرة في يونية 2009 عن دار نشر بيوتيفل بوكس تقع في 352 صفحة . تحكي قصص المجموعة الخمس حكايا شفيفة عن الحب والفقد والتوق و الحالات العصبية والنفسية التي عادة ما تترافق مع حالة الوقوع في الحب خاصة ان كانت احدي شخصيات القصة هشة نفسيا او ممسوسة عصبيا. ففي لحظة اليأس المطلق والتعلق بالاحلام التي لاتتحقق، وبالاشخاص الذين اختفوا من حياتهم منذ زمن. تمضي شخصيات المجموعة في شوارع القصص الفائقة الجمال حتى تصادف غرباء يجعلونها تواجه مسئولياتها تجاه اقرب الناس لها، اولئك الذين اعتقدت الشخصيات انها استأنفت حياتها بدونهم
يملك سيمون فان بووي معرفة ثاقبة في حالات التوق المعقد التكوين والمخرجات في ثنايا قلوب البشر، فهو يسردبشفافية ورشاقة اسلوب، تأملاته القصصية تلك،نرى ذلك القصة الرائعة" التماثيل المفقودة" حين اجهش الدبلوماسي الشاب" ماكس" بالبكاء على حافة ساحة سانت بيترس في روما عندما انهالت عليه ذكرياتطفولته في لاس فيغاس. كذلك قصة "مجيئ ورحيل الغرباء" وهي قصة اجيال متعددة تحكي البطولة والمآساة والحب والعائلة التي تعثر على جذورها في شخص والتر الغجري الروماني الايرلندي الذيوقع في حب فتاة كندية يتيمة. تبدا القصة عندما يخاطر الغجري بحياته من اجل انقاذ طفل من الغرق ، ليرث منه ابنه خصاله النبيلة تلك بعد عقدين من الزمن، لندرك انليس توم ليس فقط ذاك المتلصص الذي يمضي الوقت ممسوسا بالتجسس على البنت التي يهواها
كما ينحو سيمون فان بووي الى مزج اشد اللحظات الانسانية رهافة مع اعنفها حين تشتد الانفعالات الانسانية في لحظات الفقد حتى حافة الجنون، مثلما حدث في القصة التي تحمل عنوان المجموعة القصصية " الحب يبدأ في الشتاء " عندما قطع والد حنا يده اثر وفاة ابنه
وصلت هذه المجموعة القصصية المتميزة الى القائمة النهائية لجائزة فرانك اوكونورالايرلندية الدولية للقصة القصيرة لعام 2009 وكادت تنالها ، الامر الذي اعطاها دفعة دعائية كبيرة تنضاف الى اسلوبها الانيق ومافيها من فيض عواطف جياشة ومفاجآت غير متوقعة ، فالكاتب فذ في الامساك بعنان قصصه وانفاس القراء لحتى يصل بهم الى النهايات اللامتوقعة التى اشتهر بها حتى اصبحت متوقعوجودها في نهايات قصصه
. كما يخالجنا احيانا الشعور أن القاص بدا قصته في ذهنه وما ان انساقالى تدوينها حتى انقلبت الى قصيدة بدون ان تفقد قوتها السردية ، فمجموعته الحب يبدا في الشتاء هذه عرض شائق شديد الوضوح لقواه الابداعية وهي بالاخص تركيز سردي حول الاحساس بالشيئ اكثر منه حول حدوثه
تعد موضوعة الحب بكل تمظهراته لدى البشر تيمة اساسية في كل اعمال الكاتب فقد سبق وان صدر له مجموعة قصصية اخرى تحمل عنوان" الحيوات السرية لإناس واقعين في الحب" وكذلك كتاب تحليلي تحت عنوان "لماذا نقع في الحب"
ولد سيمون فان بووي في لندن ونشأ في ريف ويلزوفي اكسفورد. لعب كرة القدم في كنتاكي ، وعاش في باريس واثينا. تحصل عام 2002 على درجة ماجستير في الفنون الجميلة وعلى جائزة هـ . ر هيس للشعر. ظهرت مقالاته الصحفية في عديد الصحف والمجلات منها النيويورك تايمز ونيويورك بوست حيث يعيش الان في نيوييورك سيتي ويحاضر جزء من وقته في مدرسة الفنون البصرية وفي جامعة لونغ ايلاند
ترجمت اعماله الى عديد اللغات . وفي النهاية يظل اجمل ما قيل في حق هذه المجموعة الرائعة ما جاء في عرض لوس انجلوس تايمز لها : "ينتابنا القلق الان ، فبعد قراءتنا للمجموعة وتعلقنا بها ما الذي سيقدمه سيمون بعد! أيكتب شيئا اطول؟ أيتبنى كتابة شعر الهايكو؟ ايرتحل في العالم مثل اي صوفي "سادهو" لعقود مرسلا لنا كتبا اخرى في منتهى البهاء كأنها بطاقات بريدي
ة مرسلة من جنة عدن؟
ليلى النيهوم

Monday, April 09, 2007

الرحلة العفوية - نجوى بن شتوان - The Spontaneous Journey

الرحلة العفوية

خطر في بالي وأنا خارج قريتي الصحراوية لقضاء أسابيع بحرية في (بوهريشيمه)[1] أن أكتب لك رسالة أجمع فيها كل مشاعري نحوك وأرميها لأمواج المتوسط تخبر العالم بها ثم ترجعها في قنينة حملت رائحة شفتي إليك، بالرغم من أنني خلفت ذكرياتنا ورائي في مدينة العجاج، تلك التي تعنى بتصدير التراب للعالم، ويعمل نصف الألف مواطن الذين يسكنونها في كنس أزقتها من التراب وجرف الرمال عن الدروب المحدودة المؤدية إليها لإخراجها للوجود

ومع ذلك القدر الهائل من الغبار استطعت أن اكتشفك وأحبك فيها، وأسكنك فسيح بلاغتي رغم ما ارتفع في وجهي من عصي، لتخترق من ثم غربتي وتحفظات رب العائلة الذي كلفته الدولة بشؤون بلدية هذه المنطقة المغبرة ونصف المرئية دائماً، فإذ أنت تجتاز المسافة العرقية بين عائلتينا وتؤسس لدم جديد وتخترقني كبحر يغمر يابسة

كانت المقشات والمكانس تسيطر على حياة هذه القرية التي بكت أمي يوم قرر أبي أخذنا إليها من مدينة تركض نحو التمدن، وكان مقدراً لي أن التقيك فيها مع أن مهنتك لم ترتبط بالكنس، فقد وجدت هناك قبلي لتنتظرني، أي وجدت لي بطريقة مختلفة بعيداً عن قدر اعتناق المكانس

دعني أقول لك أيها الأقرب إليَّ من وريدي والأبعد لعيني من غيب، إن أنقى مياه مالحة هي التي يحتجزها هذا المعتزل الأشبه بفضاء عبادة، والذي يقتسم روحه البحر والصحراء معاً، ويقطنه عدد ضئيل من بدو لم نرهم حتى اليوم، رغم إننا رأينا كرومهم الزاحفة المثمرة تستجدي القطاف، أي إننا لمسنا وجودهم من بعيد فقط، إن بحر هذه الناحية نظيف من الناس، والهدوء كبير ومخيف، يبعث على اتساع التفكير في الأزل إن أطلت البقاء فيه، ولا يوجد معنا إلا حشرات صغيرة غريبة استطاعت أن تقاوم الحر والفقر وتبقى بشكل ما أو إنها نفس تلك التي تعيش في القرى والمدن لكن حاجتها للتكيف هي التي حورت أشكالها وأحجامها على مدى طويل

ذهبت أمي تعجن الخبز داخل الخيمة، وتناول أبي الفأس ليجمع لها الحطب ويسجر تنور(الطابونة) المحفور في الرمال، أخذ معه أخي الأصغر ليعلمه كيف يقطع الأغصان الجافة دون إيذاء الأجزاء الحية من أشجار السدر القصيرة، فيما ذهب الأخرون للسباحة والبحث عن الأصداف الغريبة لتكوين مجموعة من الآثار المائية سيزينون بها صالون المنزل، لقد صحبوا معهم الصالون لأنهم لم يخلصوا أذهانهم للحياة البرية

أنا الآن لست بعيدة عنهم وهم يتقافزون في الماء ويعلو صراخهم في سماء بوهريشيمه الساخنة، حيث لا صوت إلا صوت الأمواج التي تتحرك منذ القديم وأصواتنا المؤقتة، وصوت حنيني الدائم إليك، وحركة مثيرة صامتة في أحشائي تشبهك وأنت على السرير بجواري، بدأت أحس بها في مكان لم يعرفنا من قبل ولم نعرفه، لا يشبهنا ولا نشبهه إلا في التصنيف الجغرافي الموحد لنا، لا اعتقد إننا مهما عايشنا هذا المناخ الصعب نستطيع أن نكون بصدق أهل له

أحد أخوتي يناديني الآن سأذهب وأترك أوراقي وقنينتي هنا كيلا يرونها فيعبثون بها، أقبلك حتى أعود، أقبلك حتى الفناء

وصلتنا رائحة الحطب في النار، لاشك بأن أبي أنهى مهمته وسيلحق بنا للسباحة ريثما تنهي أمي تنضيج الخبز، حينها ستنادينا لنأكل شيئاً ربما سيكون شكشوكة بالقديد، وربما شرمولة وجبن، والمؤكد أن الشاي الأحمر المنعنع سيكون حاضراً، أمي تطلب منا الابتعاد عنها خلال خبز الخبز لكيلا تثير حركة أقدامنا الرمال فتلتصق بالعجين، كانت تجثو على ركبتيها أمام الفرن الأرضي لتلصق الخبز بسطح التنور ثم تغطيه بمسطح حديدي عليه جمرات فتؤمن له استواءً تاماً

طيلة بقائنا هنا تهتم أمي بإطعامنا حتى أنها لا تنزل إلى البحر إلا لقضاء الحاجة أو الوضوء للصلاة، إنها تخصني دون إخوتي بالكثير من الطعام، فأنت لم تترك لي أحشاءً ضامرة، هناك فم غير مفتوح بعد ولا يلتقط صاحبه طعامه سوى مني، وأمي تعلم جيداً ما يحتاجه لذا كلما كنت بجوارها ناولتني شيئاً للأكل وكلما ابتعدت عنها خبأت لصاحب الفم شيئاً دون أخوتي

كان ثمة بئر صغيرة قريبة وغير عميقة من مخيمنا، فمن طبيعة هذه الأرض أن الماء المالح والعذب يتجاوران، وماء الشرب يمكن الوصول إليه على مد ذراع ونصف تقريباً، كان أخوتي في أوقات الفراغ يتشاغلون بالحفر للوصول إلى الماء العذب وكانوا يصلونه لكن أبى ينهى عن العبث بنعمة الله، أحد الذين اكتشفوا (بوهريشيمه) قبلنا وضع إطارات شاحنة كبيرة على فوهة البئر كي لا تواريها الرمال عندما تتحرك الرياح الرجيمة، ولأن للإطارات طبيعة مقاومة لقسوة الشمس الحارقة

استخدمت تنكة صدئة من تنكات شحوم السيارات كدلو لمتح الماء من البئر، كانت تحمل رسم صدفة ويغلب عليها اللون الأحمر، فتحت من أعلى وربط بها حبل، كما وضعت بالقرب من البئر بعض الصخور التي جلبت للجلوس عليها خلال غسل الأشياء أو الاستحمام

التقط أخي صدفات نحتها الملح والماء بشكل خارق، اجتمعنا نتأملها بإعجاب، لو إنك معنا ربما كنت لتعبر بشكل مميز عما فيها من فن رباني، تناولت إحدى القواقع وهمست فيها اسمي واسمك واسم طفلنا المنتظر، أحببت أن أفعل ذلك بشيء لم يلمسه مخلوق قبلنا، لكي تعرفنا روحه كما عرفتنا روح هذا المكان وأصررت أن تعرفك وإن لم تطأه معي

قال جامع الأصداف
ماذا تفعلين بصدفاتي؟
- جدتي كانت تهمس في الأشياء الجديدة دائماً وأحياناً تتنفس داخلها لتصنع معها علاقة مباركة فقط

جمع أخي أصدافه لصدره العاري وابتعد بها ليكلمها كلاماً لا يريد لأحد منا سماعه، عند الأصيل مشى أخوتي مسافات طويلة على الشط يبحثون عن بقايا المراكب العاثرة الحظ التي سمعوا عنها أو قرأوها في الكتب أو نسجها خيالهم، اختفوا عن الأنظار حتى شعرت أمي بالخوف والقلق وحاول أبي تهدأتها مستعملاً المنظار في تقصيهم، تركتهما يتحاوران وذهبت إلى البحر، قالت لي أمي وأنا أغادر الخيمة وفي يدي الورقة والقلم وقنينة ماء فارغة وكيس به فضلات الطعام

لا تبتعدي أنت أيضاً فالوحدة مخيفة، كونوا مجموعين

لكني ذهبت لأخلو بك واكتب مناجاتي اليومية لك قبل نزول الظلام، كانت الأمواج مرتفعة كأن شيئاً حدث للبحر هيج غضبه، رأيت الكثير من عقارب الماء الكبيرة تخرج للبحث عن الطعام، رميت لها بقايا البطيخ الأحمر والخبز المبلل، فالتقطته فرحة وركبت الأمواج، كانت سريعة وخائفة رغم شكلها المخيف عندما يتخيلها المرء تدب قريباً من فراشه بينما دياجير (بوهريشيمه) تبتلعه، كانت عقارباً بيضاء أو ذات صفرة وأحداق بلورية، لا تحمل بشرة هذه الأرض كأن طول مكثها في الماء سلخ عنها اللون الأسمر، لون ترابنا ومائنا وجلدنا، وكان قرص الشمس سبيكة أرهقت الباحثين عن الذهب، لامعة على نحو غير متخيل، وعرائس البحر يمشطن شعورهن لزفاف حورية متوسطية إلى سلطان الأوقيانوس العظيم

في القنينة وضعت ما كتبته وجعلت معه عنوانك، لعل إنساناً يلتقطها ويوصلها إليك، فيخبرك بغيرما لساني كم أحبك وكم اشتاقك في هذا المعتزل البكر الذي لم يتدخل فيه الإنسان، حتى لكأن زمن سابق استقطعه من أرضنا فحضر بجلال ورهبة

إنني أحبك أيضاً داخل هذا الزمن الغابر

كانت (بوهريشيمه) في الليل منطقة أخرى ليست هي التي نصرخ فيها وحدنا في النهار وتصمت في وجهنا وتدفن حلقها وتغرق وجهها المخيف كوجه ربان عثماني مخرها طيلة قرون وعبأها بالرعب والبول والدماء والفضلات، (بوهريشيمه) في الليل هي صمت مطبق يشف حتى يوشك أن يسمعنا ما وراء الصوت، وسفن شراعية تمخر ليل المتوسط وتتحطم وتغرق وتختفي بما تحمله من سبايا ورقيق وذهب وتوابل ومعادن وقصص واستغاثات يائسة وأسماك هامشية تمضغ على المدى حمولة تلك السفن، وتلتهي عن قنينتي السابحة أبداً باتجاهك

في بعض المساءات التي قضيناها هنا كنا نبتعد عن المخيم لكي لا يسمعنا أبي ونحن نغني أو نتنافس في الصراخ، ذات مرة غنى شقيقي فلكلوراً جعلني انتبه لجمال صوته في سرد تجربة حزينة تركت أثارها بقلبه الفتي
وكان القمر مذهلاً كطرف سيف فضة أسطوري .... بل إنه هبط بالفعل كمرآة عظيمة واغتسل في البحر على مشهد منا، عندما سمع الغناء


لو كان نشكى
للبحر بأسراري
تنشف أمواجه
من لهايب ناري
لو كان نشكى
يا عيني ياداي
***
آه لو كان نشكيله
بهموم قلبي
كلها نحكيله
تنشف أمواجه
بين يوم وليله
تبقا حماده خاليه وسحايب
لوكان نشكي
آه ياعين
***
ليش ليش
ليش الحيرة
يا قلبي لا تندم
واللي بدلك بالغير
بكره تلقا غيره
***
واللي بدلك خليه
بينه وبين الله لا تكافيه
لا ادوره ولا عاد تشقا بيه
الغالي رحل مخدوع في تفكيره
يا قلبي لا تندم.
***

هذه الليلة نتسامر طويلاً حول النار، أمي تعد الشاي وأبي يتكيء بجوارها وإخوتي يتحدثون في أمور متفرقة، وأنا يذهب تفكيري إليك، أمي بعد جلسة السمر والشاي تتلو تمائمها وادعيتها الليلية لتبعد عنا عقارب وهوام ولوام هذه الأرض غير المرئية وشر ما يخرج منها بالليل والنهار، تمرر سبابتها في التراب حول مراقدنا ثم حول الخيمة كلها، تالية آيات القرآن التي تحفظنا ونحن نيام، أما أبي فيمارس مهام حراسته الليلية، يأخذ مسدس 9ملي معه وينام في الجزء الخلفي للسيارة نصف النقل، بعدما يضعها أمام مدخل الخيمة، إنه يحمينا لآخر لحظة من أي خطر قد يسقط علينا من الأرض أو من السماء، يواجه (بوهريشيمه) كلها بما احتوت لأننا أولاده ولن يسمح لغموض هذه الأرض أن يأخذنا إلى باطنها منه، كذلك نحن أولاد هذه المرأة التي لا تنتهي أبداً من الاستنجاد بالله وبالأنبياء والرسل وصلاح البر والبحر، حتى ونحن نقضي عطلة نريدها مختلفة عن حياتنا اليومية، بل نزعم أننا نريدها وأنها ستكون مختلفة

في الليلة الأخيرة من مخيمنا، يهتم أخوتي بحصر ما جمعوه من أصداف وقواقع، وما وضعوه في علب المشروب من عقارب بحرية مختلفة الحجم ليرونها لأصدقائهم، بينما يتأكد أبي من معدات تخييمه ويتفحص اطلاقاته وأمي تؤكد لتارك الصلاة من أخوتي أن الله يراه هنا وهناك لذا فإن عدم معرفته بالقبلة ليست سبباً منطقياً لترك الصلاة، وأنه لو كان خالص النية لسأل أو تبع من رآهم يصلون، يتدخل أبي في الحديث بشكل مغاير للغة أمي قائلاً

- إن جعلت البحر في ظهرك لكنت مباشرة في اتجاه مكة، لكنك تعرف اتجاه مكة في بيتنا، لذا سترد ديونك هناك

كبير أخوتي كثيراً ما يخترق خطوط الحماية المتعرجة التي تضعها أمي، يخرج لسبب لا نعرفه ولا يخبر هو عنه، يذهب إلى البحر وحيدا،ً يغيب ملياً ثم يعود ويدخل فراشه وينام، الليلة قام باختراقه المعتاد غاب قليلاً ثم عاد يحمل قنينة في يده شدتني عندما لحظتها، قال لي

انظري وجدت هذه على الشط، يبدو أن الأمواج جلبتها

وكان يعرف العلاقة التي تكونت بيني وبين القنينات الفارغة هنا

أخذتها منه وفتحتها في الظلام فإذ بها ورقة، قفزت في فراشي أتلمس ضوءاً لمعرفة ما فيها، لكن قمر هذه الليلة يكتنفه السواد والرؤية ضعيفة، ونار أمي احتكر بقايا جمرها بخور الجاوي الذي خصت به سلاطين البر والبحر وصلاح المكان وهي تسألهم المناشدة والمؤازرة في جميع الأحوال، إيمان أمي بعدم وجودنا وحدنا في هذا العالم يدفعنا للإيمان بما تتصوره وهو غير مرئي حتى نتيقن مثلها إن للبحر والبر والسماء سلاطين ومخلوقات من غير جلدتنا لايمكن الهزء بها

لايمكن في هذه الحالة مزاحمة جاوي الملائكة والسلاطين وإشراك الصالحين في أمور ليست من مستواهم كقراءة ورقة في قنينة عابرة، لذلك لجأنا لسيجارة أبي نتلمس عندها فض المضمون

لم تكن الورقة الباحثة عن الضوء، سوى أولى الرسائل التي كتبتها لك منذ خمسة عشر يوماً في هذا المكان، لم تمسسها يد عندما لم تجد يدك، سأحملها إليك برائحتي وحرارتي وروحي الموجودة فيها، مثلما سيحمل أخوتي أشياءهم المأخوذة من شاطيء (بوهريشيمه) الرائع، ومثلما تتفانى أمي في كسب رضا الصالحين، وكأني وهم نلخص روح هذا المكان البكر كل ٍعلى طريقته لكي يسهل حملها وتحملها



نجوى بن شتوان
بنغازي13 /6/2006


[1] بوهريشيمة منطقة بحرية صغيرة تقع على الساحل الليبي وتبعد عن مدينة بنغازي حوالي 130كم