Showing posts with label مقطع من الرواية. Show all posts
Showing posts with label مقطع من الرواية. Show all posts

Sunday, September 16, 2007


5 تصفر بها وفيها الريح

مرت بضع سنوات قبل أن نتمكن من خلع جلد الشقاوة الخشن في وقت اكتسبنا جفاء الأولاد الذين ملوا انتظارنا رغم كل محاولاتهم المستميتة لإخراجنا من حالة الدعة المفاجئة التي تملكتنا فجعلتهم يتخبطون في حيرة فهم ما جرى لنا , ليكتشفوا في مللهم وتبرمهم أشياء عوضتهم عن قلة لعبنا معهم : الشارع , الرفاق الجدد ، السينما ، الباصة ، وسط البلاد ، المحلات ، الدراجات ، البحر كما بدأت تناط لهم مهام اضحت تتعب الكبار ، التسوق وجلب الخضروات و المؤونة واحتياجات العمات والأمهات والخالات المنزلية
غير إن البنت الشقية - أنا في اعقابها - وازنا التكبيلات الأنثوية الجديدة مع متطلبات الخيال وروح المغامرة فعرفت أرجلنا الطريق إلى الباب الكبير متأنقات نظيفات ملساوات المرافق والركب، ممسدات الشعر، وقورات متجهمات إزاء أي محاولة للحديث معنا خارج حدود حوارات البيع والشراء
حفظت وجوهنا غير المتأكدة من سيماءاتها الجديدة محلات الأقمشة ، محلات ادوات الخياطة والتطريزوالالوان المائية والزيتية والُفرش وكراسات الفابريانو واقلام الفحم ، ايضا أكشاك الصحف والمجلات ،
المكتبات العامة والمراكزالثقافية

اخذنا الملل والقلق من حالتنا الجديدة التي أماتت فوران الدم في عروقنا ، جعلتنا شبه مقعدات جسديا وصوتيا متحسرات على زمان الركض والريح تلعب بأشداقنا و ضحكنا الذي يجلجل كالمردة حين انطلاقهم من القماقم المفتوحة فرسمنا الريح ، الركض ، الاماكن القصية ، الاكواخ القرميدية في اعالي الجبال ، حواف الانهار المزهر وبورتريهات لوجوه مستمد بعضها من كوكبها وبعضها قصاصات خيال متراكبة من رؤى متواشجة في جيناتنا
عرفنا النزر القليل من التمرد في قراءة كتب الكبار الممنوعة في عتمة دار الخزين غير عابئات بصيحات الحلت والوابيس من الجيل الذي يلينا من الصغار المتربي على شقاواتنا وصيت مغامراتنا المحكية كنوادر عائلية في ليالي الإنس والسمر، مستغربات اسباب المنع ، فما كنا نقرأه كان ممتعا وكان سبيلا غير مدركا في لحظته لتقوية لغتنا وتفوقنا لاحقا في مواد الإنشاء والقراءة والإملاء ، وسهولة استيعاب البلاغة والنحو
نقرأ المزيد يصلنا تراكضهم للمحبة يعلنون عليها لثما تملصهم من الذين يبحثون عنهم ، تخلصهم من إغماض عيونهم و العد الى ما شاء الله ,، مشقة البحث عن المختفين في أماكن لا تخطر على بال ، الجري وراء المراوغين قبل أن يصلوا للمحبة فيندمج في خلفية ما نقرأ يربطنا بالواقع الجديد ، يعمق استغراقنا في العوالم الحكائية
اكتب هذا اجمعه من الحلم الذي ينعش ذاكرتي لأخبر الشقية التي هجرت المكان بحثا عن عوالم اخرى ونقطة سحرية تعيدها للزهرة ، لأخبرها عما عشناه معا ، بما حدث لنا ، وللوسعاية التي تحولت الى فيلم باطني نراه في شاشات ذاكرتنا ، تصفر بها ولها الريح ، وعنها ايضا ، الوسعاية التي لم تعد بعد الحريق الكبير الإ ضيقاية : بضع حجارة ونخلتان وبيتان متهالكان لمن بقى مجبرا ، ذهب بقيتها للريح ، ُشقت فوقها الطرق الدائرية مارة فوق امكنة مصنع الثلج والحديد , بيت الخال , الجزء الامامي من بيت الجد الاكبر ، حيث المضافة المهيبة الوحيدة من نوعها في زمنه ,،باب الكانشيللو مصد الغرباء والمتطفلين ومجانين المنطقة ، كراجات السيارات ، كلها باتت بعدا اخر يعيش فينا وبنا ، بقاؤه محكوم بما حيينا ، ان ذهبنا سيتلاشى معنا ، تجري اليوم فوقه السيارات المسرعة في جزيرة الدوران ترميها لكل اتجاهات المدينة ، تلف حول نفسها احيانا ، تصطدم ببعضها حين يتراىء لساقتها الغافلين شبح المكان الافتراضي حين كان يرفل في عزه وفتاتان جميلتان تقفان امام صف البيوت في خلفية الياسمين واللانتانا وبهجة الصباح ، احداهن كانت تفر من امامها العقارب والبطات والدجاجات الحمقاوات وتتضاءل سطوة جبانة الرعب فترخي لها الاشجار حبالا مجدولة لتؤرجح غضبها او فرحها حسبما الظروف
الاخرى تستعيد المكان حروفا تكتبها للناسيين ، للمتناسيين ، لنفسها وهي تجلس مترددة عن الذهاب الى ابعد مما وصلت اليه يصدها الكسل الذي عطل نصف حياتها في التأمل ، في رسم اللوحات السوريالية في الهواء وعقد صفقات مع الحياة على رمال البحار . تتحدى العالم في عكس ما يرغب وترغب عكس ما يحب . تمضي بعيدا في خيالاتها ، ليس ابعد من ان تجلس الأن في الليل الداجي ترقن الحروف وتزلق نظارتها السميكة من حين لأخر لأعلى أرنبة انفها لتنظر الى كوكب الزهرة يومض من بعيد وتبتسم

ليلى النيهوم
photo credit:Laila Neihoum

Saturday, May 26, 2007

تصفر بها وفيها الريح


4
عندما كان يصل على دراجته الشهيرة وينزل عنها ليركنها جوار الباب الكبير , كنا نركض إليه نصرخ بإسمه مرفوقا بدرجة قرابته لكل منا فرحين يبهرنا شعره الأبيض اللامع في الشمس , أوراقه التي يحملها في اضبارة عتيقة , بذلته الأنيقة , ابتسامته الرائعة . كنا نتقافز حوله , نتمسح به , يربت على أكتافنا , يهش شعرنا , يحمل أصغرنا , يمضي أمامنا ونحن من حوله كتيبة من الحب ومن التسول الخجل لقروش لا تخلو منها جيوبه
طيبته لا مثيل لها , صبره فائق , كان يجلس لساعات يفكك الحروف من لغة غريبة لينقلها إلى لغتنا في كتب كان ينشرها على حلقات في الجريدة الواسعة الانتشار التي يجلبها الكبار , يتحلقون حولها يقرؤها احدهم , يستمع الآخرون هازين رؤوسهم , متمتمين بعبارات تنم عن الاستحسان وتحليلات نعجز عن فهمها حين يهدنا التعب فنتوسد ركب أمهاتنا نغالب النعاس , نراقب الهوام والحشرات تتزاحم على المصباح في فناء البيت الذي تسقفه عريشة العنب وتتسلق على جدرانه الياسمينة الشامية ذات الأريج الذي يتسلل لأحلامنا فلا تعود مثل أحلام الآخرين
كان يخلق مما يعجز عن قوله مباشرة مدارة لأخطاء الآخرين وحسن طبع منه مسرحيات زاخرة بالعظات الأخلاقية والدروس المستنبطة من معاركة الحياة , كانت مربوعته تزدحم بالمسرحيين والكتبة والممثلين , نختبئ وراء خصص النوافذ المطلة على مجلسه , نتلصص عليهم , نبحث عن شبه بينهم وبين جلاس الاستراحة القدامى رفاق والده لابسوا الطرابيش محتسوا الشاي باللوز الذين استجلبنا ذكراهم , أصواتهم , وقارهم في حلقة أيدينا وقلوبنا المتماسكة
كان يعرف إننا هناك , يعرف إن البنت الشقية الوحيدة المسموح لها بحضور المجلس تختبئ وراء الستارة بعد أن صرفها حين اخذت تلفت وجهه بيدها نحوها طوال الوقت وهي تجلس على ركبتيه متسعة العينين مبتسمة بخبث لنا , لا تريده أن يتحاور مع الآخرين استئثارا به . أزعجه تملكها والغرغرات اللغوية الزهراوية التي تلجأ إليها حين تعييها الحيل , تمد أصابعها الطويلة , تتشقلب مثل المهرجين , , تقلب جفونها ليبين باطنهما الأحمر , تُجحظ عيناها تستدران اهتمامه وضحكات الضيوف, كان يلمح قدميها المعفرين في الحذاء المتهرئ مقدمه- من ملاحقة " البرنجية" وركل الأحجار بحثا عن العقارب - خلف الستارة حيث تختبئ فيبتسم حنوا
يا لصبره لم يركل ناصر مثلما يفعل الآخرون حين يؤتي واحدة من أفاعيله الشقية - ناصر العارف لكل شيء , الملم بكل تحركات المخلوقات على اشكالها في زرائب وإسطبلات وأعشاش الوسعاية والسانية ,- حين أقنعنا لنري الكلبة التي ولدت جراء قال إنها تختبئ بين كتب الجد الأكبر العتيقة ذات الرائحة الغريبة في المخزن المتاخم لجبانة الرعب . كانت الصناديق تحوي علوما صوفية وما ورائية قرأت الشقية ذات مرة بعضها خلسة قبل أن يخفوها عن متناولها في هذا المكان المرعب , وقت اكتشفوا فعلتها بعد إن ساورتها حمى غريبة و هلاوس واقشعرار بدن تلبسها من بعض الكتب في تحضير الأرواح ومكالمة الموتى وتسخير الجان وغيرها من علوم صفراء حاولت تطبيقها , ليقرؤوا عليها القرآن ويكبروا في أذنيها طويلا قبل أن تستفيق من غشيتها وتبل من حمتها
تيبست أرجلنا وتعثرت في تحفزها فيما وازنت أنفسنا الأمارة بالمغامرات بين إغراء الجراء المكتنزة , وبين مخالب الموتي الأخذة بتلابيب السابلة الذين تخونهم أرجلهم وتقترب بهم في غفلة نحو القبور التي يرى على بعضها- في بعض الأحيان حين ينكشف النظر- ملابس مغامرات راقديها الليلية متروكة على الشواهد بعد أن تنكرت بها للطريق تستوقف العابرين من مقاهي البياصة والسينمات المتناثرة , تركب معهم في سياراتهم تثرثروتتبادل معهم أخر الأخبار والإشاعات لتزيل مللها ووحشتها السرمدية فيما تخفي حوافرها تحت ملابسها الطويلة الفضفاضة تحرجا لترجع قرب الصباح الوشيك إلى مثواها الممل
مضينا معه رتلا يؤخر ويقدم , نبضا موحدا متسارع داخلنا , واجفون مأخوذون نتحين المرائي والتمثلات التي تُرى بلمح البصر , نتوهم الأصوات المتحشرجة , نحذر من قرب سدول الظلام
لعبنا مع الجراء من بعيد معجبين بألوانها واكتنازها وتشقلبها على بعض تنافسا للرضاعة , ننظر برعب إلى الكلبة الأم المزمجرة مكشرة عن أنيابها خوفا على جراءها متناسية صداقتها لنا , نتأمل المكان الذي ندشنه بحضورنا الأول , نتفحص عن كثب ناصر صانع الأعاجيب بإعجاب شديد , نحك كثيرا مثل أي كلب أجرب , ثم يزداد حكاكنا وهرشنا لننتبه للبراغيث تغطينا , تُعتم ألوان ملابسنا الصيفية الزاهية, نخرج نتراكض صارخين نتقافز من وقع قرصات البراغيث ليتلقفنا الطيب المفزوع ينهرنا بهدوء مطمئن بعد ان يستوعب ما جرى , يأمرنا بالصمت ليدخل البيت المفتوح الذي تغيب عنه الأمهات والشكر لله - متذكرين شباشبهن اللاذعة للمؤخرات وتوبيخهن الذي يطن في الأذان لأيام طوال- في زيارة لقريبة نفساء تسكن خارج الوسعاية - يُحضر بخاخ المبيد الحشري , يبخنا مغمضي الأعين مكممي الأنوف متمتما لنفسه أشياء عن شقاوتنا والحبال المطلوقة على الغارب والوقت الثمين الضائع في حضانة العيال الذين
تتلبسهم الشياطين
يتبع
ليلى النيهوم
painting by Linda Paul

Monday, May 21, 2007


تصفر بها وفيها الريح
- 3 -



لكن البنت الشقية التي تجيد الخيال والمغالاة في الخرافات والعلاقات الخيالية بأقوام من كواكب قصية والنبش في الكتب عن حكايات تسقط لها الأفواه فاغرة كانت ملاذنا للشطح والإغراق في الاقتراب من تخوم التمكن من اللاممكن . لم يكونوا ليجدوننا مهما علت نداءاتهم , مهما شط وعيدهم واستعرض أنواع العقاب المنتظرة . لو رفعوا أبصارهم فوق قليلا لكانوا رأوا ظلالنا تُسحبها شمس الظهيرة على الجدران المائلة من أسطح البيوت , نستلقي هناك نقرأ ما لذ وُمنع من الكتب الرهيبة الحاثة على المغامرات في الجزر المهجورة والسفن الجانحة والجياد الناطقة و الغيلان ذوات العين الواحدة والسندباد وسيف بن ذي يزن والأميرات النائمات والقصور المسحورة والمصابيح الملبيةلأصعب الأمنيات والفتيان الأشقياء والبنات الدلوعات الباكيات والفرسان الأربعة والجبابرة المحلقين المدافعين عن الخير
ظهرت عصارة كل قراءاتنا في صناعات شبه متقنة لسهام ونشابات من نخيل السانية ومقاليع واطواف من الجريد المجدول وتدريبات على صرخات طرزانية تخلع الفؤاد وفخاخ بدائية مبثوثة استأثرت بأصابع أقدام الكبار العائدين غافلين من العمل ينزون عرقا ويتضورون جوعا , ومزيدا من الثريد مسروق من مطابخ البيوت المتلاصقة المفتوحة على بعضها وشرا شف مختفية من الخزانات ومربوطة على أكتافنا الهزيلة وسلاسل من اكسسوارت الأمهات منفصلة عن بعضها ، مبتلعة بشهية لا تجيد الانحياز لزيت السمك الكريه ، كانت الشقية اوهمتنا انها تساعد على الطيران والتحلي بقوى جبارة ، وأرجل لايكفيها ما حل بها مكسورة من القفز من أعالي الخزانات في محاولات مستميتة للطيران كسوبرمانات خارقة
كلما جئنا كنت أتحفز في السيارة لا أطيق صبرا ، ما إن ندخل من الباب الكبير "الكانشيلو" أرهف سمعي واشحذ عيني باحثة عنهم أمام البيوت المتجاورة المفتوحة على بعضها ، كنت اجري قبل أن ينزل أهلي , إلى البيت المفتوح للجميع , الذي فيه اكبر عدد كراسي وأكثر صحون وأجمل الابتسامات واغلي حضن يضغط عليك كأنك أخر طفل في الكون ، يمطرك بالدعاء والقبلات الحانية ،

كنت ابحث عن البنت الشقية القادمة من كوكب الزهرة التي جنحت مركبتها اضطرارا في الوسعاية ذات يوم- ذلك لحسن حظها كما أتصور- تمضي يومها ترسل نداءات النجدة تخاطريا الى كوكبها من فوق أسطح البيوت المتلاصقة حين تمل من القراءة وحيدة قبل قدومنا , او في فترات العقاب الجماعي التي تطالنا حتى بيوتنا خارج الوسعاية وتباعد زياراتنا اليومية لها
كم استجديتها أن تعلمني لغة الزهرة , كم طالبناها أن ترينا حطام مركبتها , كانت تكتفي بابتسامة غامضة , فتأخذنا لنزحف تحت الهندي لنلتقط بيض اذكي الدجاجات القاطات , شريرة كانت تحمل جينات الدعابة الفضائية الشرسة , لكم يرتجف جسدي في الحلم من ذكرى مقلب الشوك ذاك
اجري إلى باب السانية الخشبي المتآكل , افتحه , أغمض عيناي , انزلق مع "الدردوحة" ترفرف الريح بشدقي , لايوقفني في انحداري اللذيذ شيء , لا أخشى أن اصطدم بشيء , تحفظ رجلاي الطريق الخال إلا من حشرات "حليمة الضراطة" غبراء الحمرة مرقشة بأسود كامد تتراكم على الأعشاب الزاحفة يميني ويساري
كنا لا نقترب منها إلا لنحاول أدراك مدى الشبه بينها وبين العمة الأخرى التي تسكن خارج الوسعاية و تتشابه معها اسميا , نخجل من الغوص عميقا في احتمالات الشبه الأخر ذو الرائحة , محرم علينا نطق اسمها في البيوت المفتوحة على بعضها , يأسرنا اسمها , يلتوي متمردا على ألسنتنا غصبا عنا كلما جمعنا مجلس مع العمة البيضاء البشرة الوديعة العينين , بملاءتها السوداء كلما حلت بالوسعاية ضيفة على أشقائها الخمسة المتجاورين, نقف فاغري الأفواه ننتظر اللحظة التي ترفع فيها خمارها لنبحث عن أوجه الشبه فيزل اغبانا بالاسم المحرم ليتلقي قرصة خفية موجعة وركلة واضحة تطوحه بعيدا ليغيب النعت المنفلت في ضجة الترحيب والأحضان والقبلات الكثيرة.
لم نكن يوما حفاة أو رثي الملابس , وما كانت تربة الوسعاية الرملية لتعلق بغير أقدامنا" تُحثرب " ما بينها وبين الأحذية أو الصنادل في هندامنا الصيفي الجزء الوحيد الذي يبلى بسرعة ركضنا . وعلى كثرتنا – بسلامتنا - كما تقول الأمهات ممصمصات شفاهن خوفا علينا من العين , كنا مثل الرز , أو الكراميللا ملونين بفرح التلاقي المتجدد , تلقى بنا السيارات وأبواب البيوت المفتوحة إلى جوف السانية , نبدأ بها نهارنا وننهي بها ليلنا , نتلمس فضولنا وخصابة خيالنا في ظلامها وظلال أشجارها وعتمة الجابية والاستراحة المهجورة التي نستشعر فيها صدى ضحكات وحكي آفل وخطوات تصعد الدرجات القليلة المتخلخلة المؤدية إليها , صوت حفيف ملابس على كراسيها الحجرية المبنية على استدارتها المصقولة من كثرة القاعدين عليها بعد ضياع طنافسها التي طالما سمعنا عن قماشها المجلوب من بر الترك والمخاط على يد العمات الطارزات , الحائكات الماهرات , مكتوب على جدرانها ذكريات الأجيال التي كانت ُترسل إليها من البيوت المفتوحة صحبة الأساتذة والأشقاء الكبار المتمكنين من المواد الدراسية للمذاكرة والتقوية . رسومات جادت بها أنامل الموهوبات في الرسم . معادلات رياضية عويصة سطرها الفخورون الذين دخلوا الفروع العلمية . حروف انجليزية وفرنسية زخرفتها المتنطعات الحالمات بالبلدان البعيدة . أبيات شعر من مقرارات المحفوظات , أخرى من الهام اللحظة . أسماء وقياسات اطوال قامات لأجيال من مستعجلو الطول وإنبات الشنبات والذقون . مخربشات غريبة تدرك مجموعتنا جيدا أنها مكتوبة بلغة الزهرة المحرمة علينا . نقيزات صينية وعربية مخطوطة بالطباشير والفحم على أرضيتها نقزت عليها أجيال متوالية من البنات وتعاركن وكسرنا إيقاع نقز بعضهن" بالشمبروخ والدجاجة العوراء التي تمشي وكراعها مكسورة" وكل التفوهات السحرية التي تجعل الاخري تخسر وتعفس على الخطوط الممنوعة فتخسر نقاطها ودورها , لتتقدم منافستها فيتعالى صياحها الحانق بالعبارة التي تقلب السحر اللفظي على صاحبته : "بار على السحار, بار على السحار " فتخرب اللعبة , تتطاير البرنجيات , تُثار زوابع الغبار , ينفض الجمع إلى حين تصفو النفوس بعد هنيهات قلائل ويعاود اللعب
كنا نمشي على حواف الاستراحة نوازن أجسادنا بأيدينا الممدودة , محاذرين السقوط في الجابية الجافة , أو نجلس متربعين على الكراسي الحجرية الصقيلة, نغرس ريش الدجاجات في رؤوسنا , النشابات والسهام في جعب على أكتافنا الهزيلة , نصيح صيحات الهنود الحمر , نزحف في طقوس سحرية لجلب المطر والتخفي عن الأعداء , أو نجلس في دائرة نمسك بأيدي بعضنا , نغمض أعيننا لنتخيل السانية في أيام عزها , الاستراحة حين كانت تغص بذوي الطرابيش يشربون الشاي باللوز , يتناقشون , يهزون رؤوسهم بوقار. أو نقف أمام البئر المردوم نحاول أن نلمح من خلال الثغرات بين الجريد والأحجار والصناديق المهشمة المرمية فيه ما رأته العجوز الرائية التي جاءوا بها زمان وقت ضاع العم في الصحراء التي يجوبها من شهر لشهر بشاحنته المحملة ببضائع التجار جيئة وذهابا من أم السباخ الى بر العبيد , وما بينهما , لتدلهم إن كان حيا أو ميتا , تصف لهم المكان الذي يستلقي فيه على كثيب الرمل في الرمضاء ينتظر رحمة الله وساعة الفرج وقطرات ماء , هكذا كما قيل تراءى لها على صفحة ماء البئر الذي كان بالنسبة لها شاشة رؤية في لحظة لا تخلو من سحر وطقوس محفوظة منذ أزمان غابرة , ليحلف الذين ذهبوا لنجدته إنهم وجدوه مثلما وصفته تماما!
وقد يتهور احدنا ويحاول النزول في البئر المخيف حيث تفح الغيلان والهامات ذوات السبع رؤوس ورميم الجنود من الحروب القديمة مثقوبي الصدور و منزوعي الأعين وهياكل حملان وجدت في بطون الخراف المذبوحة , ليعلو صراخنا مجتمعا يجلب الكبار راكضين صدورهم تعلو وتهبط , أنفاسهم متقطعة , أوداجهم منتفخة . هكذا نقف دائما عند حدود ما . نحافظ على بعضنا من شرور أنفسنا.
المقبرة من بعد بئر الفحيح , كانت اللغز الأعظم الذي يتحدى جرأتنا ومعارف البنت الشقية الزهراوية , مهما ركضنا بأسرع ما في أرجلنا المجللة بالجروح والقيوح من جهد , مهما أغمضنا أعيننا ودفعنا بعضنا قدما كانت أجسادنا تقف مفرملة مثيرة الغبار قبل سنتيمترا واحدا من حافة الباب المؤدي إلي دار الصحابة والجبانة
أقف عند أسماؤنا , اجد صعوبة في فصل مآثرنا عن بعضها , في كل بيت يتكرر اسم الجد والجدة , لكل بنت وولد اسمان مركبان , يحب احدهما ويكره أن ينادى بالأخر , تفاصيل كانت تميزنا عن الآخرين خارج سور الوسعاية , تثير الحرج والحسد أحيانا , لا تفرق بيننا غير أسماء ابأءنا , أمهاتنا أخوات وبنات عم وخالات و آباءنا وأمهاتنا أقارب من كل المستويات , لولا أسماؤنا نتشابه في لون العيون , ملاسة الشعر , نسبة الجمال في كل درجاته , لون بشرة عسير الوصف , درجة الشقاوة والحيوية الزائدة , يجمعنا الهزال , لكثرة ما نلعب ونركض طيلة اليوم , نتجاهل نداءات الأمهات ساعات الغذاء والترويقات , لانذكر أسماء الأكل وأنواعه نبتلع مايقدم لنا على عجالة لا ننتبه خلالها للطعم والنكهة , لا نسمع إلا ما نرغب به , نطير مثل سرب من غرانيق طويلة الرقاب حين نسمع بوق بائع الجيلاتي امام بوابة الوسعاية الحديدي المهيب , نجلس نلحسه ببطء شديد كي يدوم طويلا , كي نغيظ من تسرع وابتلعه وجلس يراقبنا متحسرا , ليسيل من مرافقنا , يجلب حولنا النحل يحوم مهددا فيما تتحفز أقدامنا للركض عند اشتداد أزيزه


يتبع

ليلى النيهوم

Saturday, May 19, 2007




-تصفربها وفيها الريح -2

ما أكثرها الأرواح القلقة التي كانت تجول المكان تبحث عن معنى لتيهها ومخرجاً من ضياعها , ساهمة عما حولها و ما حولها غير مناخ وعالم ووقت ومكان غريب عن ذاكرتها البعيدة بُعد مئات السنوات التي أمضتها تجوس الظلمة بحثا عن نور. ليس ذلك النور الدائم الذي تحمله العمة الأرملة المرتعدة , الوحيدة التي تحس بهم وتراهم, كانت تصف لنا أشكالهم وأسنانها تطقطق رعبا . كانت تقسم بكل المرابطين والأولياء الصالحين أنها ترى وإنها " يا ودودي " تعبت مما ترى . كانت تحت وطأة الجبروت تخشي أن ترفض الانصياع للأوامر القائلة بأن تحمل كذا وتجلب كذا من البيوت المجاورة الرابضة على حافة باب السانية قبل زحف الديجور
تمضي كريشة ترُجِفها ريح المهب . تغمض عينيها بشدة جلبت تجاعيد مبكرة لوجهها الصبوح , تصم أذنيها عن سماع لهاث الغيلان , أصوات الخطوات خلفها , لغط وهمس وأنفاس الأشباح على صفحة وجهها . تردد :
, هكذا أفضل , ان يظل شعوري بهم فقط عند حدود التوهم والتخيل
فيما رؤيتهم ترعبها تتركها في حالة هذاء لأيام تجلب لسمعها لوما وعتابا عنيفا لا يرحم المتوهمات والضعيفات , الخارجات عن الاسبار المتفق عليها
أين تمضي ذاكرتي بكل العفاريت , والهامات , والغوله التي انتزعت جميلة الأولى من بين يدي أمها وهي في المهد رضيعة . كم خفت وقتها من اسمي الذي يغري الذئاب . كنت أوهم الصغيرة التي تستمع لي فاغرة الفم عن قضمة الذئب التي اقتلعت لقمة من لحم ذراعي , أريها لها واستمتع برقرقة عينيها الواسعتين الصافيتين كبحيرة متلألئة , ورجفة أصابعها تتلمس آثار التطعيم الرديء اعلي ذراعي
العربة القديمة من مخلفات الجيش . أي جيش ؟ لست ادري - لكنها هناك منذ الأزل , تغطيها نبتة بهجة الصباح المتسلقة , ذات الزهور الزرقبنفسجية . نتسلقها ونتوهمنا من الجيوش الغازية - أو صاحبة الحق سيان- فلم نكن ندرك ذلك
كنا نطلق رصاصنا من بنادق في مخيلتنا , ُنمطر الأولاد الذين يجيدون الاختباء ولا نعثر عليهم بوابل من ذخيرة لا تنفد , ندك البيوت البيض وقنان الدجاج والسيارات المركونة وأشباح العمات وغسيل الخالة المرتب بعناية وكأنه دعاية من زمن قادم, والنخلات المثقلات بالبلح و بالرطب والجابية والبئر المرعب والأراجيح. ولا نطلق النار في اتجاه المقبرة المجاورة إطلاقا . هناك تتلاشى شجاعتنا وتتحول بنادقنا إلى وهمها الأكيد , تكفينا من الشجاعة قصص أشباح العمة الأرملة المكشوفة النظر: جنود قتلى من الحرب يسألون العمة كل ليلة عن سبب موتهم في زهرة شبابهم
هكذا كانت طمأنينتنا متكئة على تفسير الأهل بأنها من صنع اختلالات في مخيلتها , ونكتفي بقولهم لنا لاعفاريت سواكم , لنفر حين تفاجئنا غولة المسحان في نوبة دق وهرس مفاجئة لحبوب عشاءها .كانت الأرجل دالتنا ومفرنا , و"واحد وستين" المتعارف عليها تمضي بنا أسرع من الصوت
في الشوارع الترابية التي تحيق بالوسعاية وتلف كامل نصف استدارة السانية وتبتعد قليلا عن مرمى أشواك هنديها , مضت بنا اندفاعات فضولنا بعيدا وقريبا من ابعد ما نتصور. أراني واراهم نجري فيها بحثا عن الصغير الذي تجاوز حدود المكان فضولا . تجاوز عتبة الباب الكبير المهيب , مضى يغد الخطو الوئيد في الشوارع يبتسم للمارة , تتجنبه السيارات المسرعة , تتبعه دعوات الجدة وعناية الله . نجري ونسأل ورعب يوتر سيقاننا الرفيعة المليئة بالجروح المتقيحة والرضوض , تلسعنا الأرض وتهديدات العمات الجالسات جوار البصقات التي بصقنها في التراب , والويل إن جفت قبل أن نعود فستدود أقدامنا , الويل لنا إذا لم نعثر على الصغير الذي كان يجلس ساعتها في مركز الشرطة يرسم له الشرطي المناوب بالقلم الجاف ساعة على رسغه الصغير فيما يأكل بيده الأخرى حلوى ملونة ويبتسم لنا حين دخلنا معفرين بالخوف , بوهن السيقان , مثقلين بالذنب عندما دلنا الى مكانه الأهالي الذين سلموه للمركز حين عجزوا عن معرفة من يكون
من الباب الكبير ماقبل الديجور بسنوات قلائل كنا نمضي في الخميسيات إلى مابعد السور الغربي من الوسعاية, إلى حيث كان السابلة يردون الماء وحيث بيوت من صفيح , كنا نلوي أعناقنا ونحن نركض جوارها كي نرى ما بداخلها - لا يتصور ذهننا المتعود على رفاهية أماكن خُلقت بحس جمالي يبدع من اللاشئ شيئا في اشد حالات الفقر - إن ثمة من يستطيع العيش في مثل هكذا أمكنة وضيعة ,. كان من بعض تلك الأمكنة ينطلق صوبنا وابل من حجارة كلما مررنا , لم نر يوما من رمانا , لم يُظهر وجهه , نهز أكتافنا استهانة بعدو غير مرئي . نمضي نشتري البيض من بيوت أوصانا أهلنا أن لا ندخل غيرها , نتلكأ على أعتاب الدكاكين المرتفعة , نراقب البنات يلعبن حواشين بأشياء مجموعة من القمامة وخرق وعلب صفيح واعشاب , يختلقن بيوتا بائسة مصغرة لطموحات لاتتعدى في الخيال أدنى الحاجات," رابش" متمني لصغيرات يعشن في الرابش .
العقارب التي تظن أنها في مأمن من بطشنا , تستظل تحت ُذبال الأشجار وجريد النخلات وصفائح الحديد وركامات البناء وبقايا المصنع المهجور كنا نتوصل إليها مهما شطح بها تخفيها , كنا ننهال عليها بسل النخلات مهما تبعثرت في فرارها هنا وهناك , نرشقه في أجسادها المتلوية محاذرين كي لا تطالنا بسمها , كلها كانت صفراء . لم نتمكن يوما من معرفة مكان أخطرها : السوداء القاتلة آكلة الغمق التي حين نهمس بأسمها نتلفت تحسبا , التي نسج لنا الكبار حولها اساطير ومحاذير . كنا نمني النفس بالعثور عليها ونحن نقلب الأشياء ونحرك ارجلنا بسرعة خشية ما سيخرج راكضا مستثارا رافعا سلته أعلى ما يمكنه متحديا بأصفره المقشعر توقنا لأصطياد السوداء المثيرة
حتى اليوم الذي تجمعت لنا الصفراوات تحت مكان لم يخطر لنا على بال تحت" البانيوالمقلوب الذي يحلو لنا أن نستعمله محبة الحلت الراكضة وكرسيا لليالي السمر, نتحلق حوله بين جلوس وإقعاء ووقوف غافلين نتسامر في الليلة القمراء , نتبادل ادوار الدباخ والكريكما , لتتسلل غيلة وتبدأ بأصغرنا وأعلانا صراخا وصل حتى مشارف الكبار الذين لاترحم صفعاتهم , كان ركضنا اقرب إلى الطيران و العقارب في غلها تكاد تُجنح خلفنا , بعثرتنا وظلالنا . أرسلتنا إلى نوم مبكر بوجوه مبللة بدموع العقاب


ليلى النيهوم
يتبع
photo credit:Sakina Ben Amer

Thursday, May 17, 2007


- تصفر بها وفيها الريح - 1
كانت السانية تعج بهم . كان أمامهم مهمة إنارة الظلام الذي حل فجأة واستمر دائما , الأفكار كثيرة وعديمة . الشموع الثماني
العملاقة المجاورة التي بنيت عليها أسطورة الوسعاية أصبحت وهما قديما وخرافة ترددها العجائز المخرفات . ليست تجدي في لحظات كهذه غير الأفكار المجنونة التي توقظ الشياطين والسحرة من سبات دخلوه عقابا على تطاولهم
ناصر فقط من تجرأ ونصب شمعة أو منصة إضاءة , لا فرق مادامت شيئا يضيء الديجور الذي حل على موطن النور . كل الذين حضروا بأفكارهم , جاءت بهم أيضا مآرب أخري لم يكونوا يدركونها في أنفسهم حتى حلت ساعة تمطت وتثاءبت وأطلت برأسها لحتى إلتوت رقابهم من جيشان أعماقهم السرية
المنصة الحريق التي نصبها ناصر شجاعة منه في عمق ديجور السانية في البؤرة حيث تتوالد دكنة الظلام, انكفأت لحظة رفعنا أيدينا لنصفق فرحا, انكفأت ونزلت وكأنها في فيلم بطيئ تجر معها قلوبنا الواجفة لتشعل حريقا في العشب اليابس الذي نبت لسنوات وجف واينع ثم يبس ثم جف ! وبقى هناك يختلس لحظات تجلب له شرارة ما ليشتعل ويشعل العالم من حوله وليضئ الديجور . ليس لكي تضاء قلوبنا ورؤانا . إنما لكي نرى الوحوش الكامنة هناك التي تشلها الظلمة عن أن تعرف إلينا طريقا
امتدت الحريق . ارتعد الصياح في الحناجر . ضج المكان بوجوه وخطوات وركض وتوجس ما كان له أن ينفد للوسعاية المنيعة لولا هذه النازلة ذات الشرر المتطاير , المتحين ريحا تدري أين تذره
كنت نائمة في سرير وثير احلم بما يحدث خارجا, اعرف في حلمي انه يحدث في الواقع . أرى انعكاسه في الحلم . أحس باقتراب ألسنة اللهب حيث اضطجع . كنت لا اكترث , كأنني اعرف إن ثمة ما سيحول بين أن تتعدى النار حدود السانية , ان تعلو الدردوحة . حدسي كان يطبطب لي مزيدا من الانهماك في نومي
وكنت أمعن في النوم وسط النازلة , كي امضي بالحلم إلى اللحظة التي تتحقق فيها التوهمات والاستيهامات. اللحظة التي تنبعج فيها الكرة الأرضية . تنطبق على بعضها, فتتقارب تضاريس ممعنة في البعد وتتباعد تضاريس ملت تجاورها
ليس لي إن أعلل هذا الهذيان وإنا أتنعم في وثارة ونعومة الوسادة اغرس وجهي فيها مثل اعمي في بلاد تقيم مهرجانات للبصيص . استرق منمنمات تفاصيل . كلعبة تركيب أنكب على لملمتها وصولا إلى الصورة المنفلتة أبدا في الزيغ , العصية عن المطال
تصل سيارات الإطفاء يقودها رهط من أناس يرتدون أزياء كرنفالية غريبة , يمشون فيها بارتياح المعتاد عليها . وسط الألوان التي تطلي الوجوه , والمزيد من الأشخاص الغريبين , تتضح الرؤية من زاوية تتيح إدراك كون غرابتهم ليست إلا نوعا من الهلاوس البصرية التي تسبق الاستيقاظ من وطأة كابوسي
السيدة تقود العازف الاعمى وتمشي على موطئ أقدامه المنطبعة على تربة الوسعاية الأقرب إلى الرمل البحري الذي كان يفرش قاع البركة قديما قبل أن تتحول مع الزمن الى أمكنة صالحة للبناء وخلق الأساطير , ينتق منها الخرز الملون في الأيام الماطرة , غير عابئة بنظراتي المستغربة تتابعها في الكابوس
في إطراف الديجور التي يضيئها امتدادات لهب الحريق أري فيما يري المستغرق في نوم لا فكاك منه , نساء يبحثن عن قطعة حلي سقطت من جدتهن في سنة من دهور ما قبل الديجور , ايام كانت السانية موئلا في أمسيات الصيف , وكانت استراحتها الصيفية تمتلئ برجال يزورون الجد الأكبر , يتقربون من مقامه الديني والمدني , تشنف أذانهم هدرزات تهدهد الروح مع نسيم يمر على إزهار نوار العشية ومسك الليل والياسمين الشامي . كانت الميدة المنيعة في النهار مركضا للصغار يهبطونها بغبطة تعلنها صرخات وبقبقة صوتهم يرجه انحدارهم المرح.
كانت النسوة منهمكات في استنباط الأطايب واستلهام الامالح التي لم يِسمع بها ولم تُعرف أشباه لمذاقها من قبل . كن يهمسن بالغناء خفرا. يداولنه فيما بينهن علي تتابعات ردود مموسقة مثل طقس سري . يطقطقن أكواب الشاي ببعضها على إيقاع لمتهن بين قدور ونفخ وتقطيع وحشو ولف وغسل ومسح يتجاوب مع خشخشة أساورهن ودمالجهن وتكاليلهن . يلقمن الأطفال في نفحات كرم مزهوة بعض مما يخترعن لوليمة الكبار.
كان يتوافد على المكان زنوج جلبهم الرق والفاقة من أعماق القارة المجهولة الى سواحل افريقيا حيث المدن الناشئة حول الملاحات والسباخ . يقفون على أبواب الكرام يتسولون بالغناء والرقص الغريب بريش ملون وعلب صفيح رنان إيقاع تلاطمها , وطبول لقرعها ارتفاع نبض السامعين وارتجاف غريب له بهرة شجن في دواخل النسوة الكامنات وراء الستر والفجوات السرية في الأبواب الموصدة في وجه الغرباء بسبعين ألف مفتاح ملقاة في سبع بحور تفصلها سبع مالا ادري ماذا.
كنت أتقلب من جنب لا أحب النوم عليه إلى جنب مريح , أتخيل في نفسي قصصا اتلوها في حلمي , يدي تجس إطراف السرير تلمساً لورقة وقلم . الأفكار تتراكض , عيناي تجريان تحت جفني قلقتين , تتسارعان مع نبض القلب لمواكبة الأصوات التي تملي علي الأشياء . في عمق وجداني صوت يأمرني أن لا استمع و لا اكتب ما أراه في الحلم . نفسي تائقة لأن استيقظ أو أن اصرخ . شيء أخر يهمس لي: لا توقظي الوحوش التي تقف حائرة على حافة الديجور المضاء حيث يستلقي النصب الضوئي تفح نيرانه تلتهم المسافات إلى باب السانية الخفي


ليلى النيهوم


يتبع