Thursday, April 20, 2006

موازنة اللغة في مواجهة تقلبات التاريخ

مجموعة مايكل اونداتجى الشعرية العاشرة " كتابة" عبارة عن حكايا مطرزة على سجادة حائط عتيقة فى صور مجاميع مشهدية وشخصيات غرائبية فى لا زمنيتها ، متناثرة فى خلفية طبيعية- خُرافية خادعة ، فلا أثر هنا لتكنولوجيا العولمة او الاستهلاكية الفجة التى عادة ما تصحبها عبر إنتشارها المتدرج ، مُزيحة فى طريقها الثقافات المحلية جانبا ، فى جريها المسعور المتوسع ابدا
تبدو القصائد للوهلة الاولى مُغرقة فى الخيال ، قُرى تعج بقاطعي حجارة ورُهبان يقتلعون سن بوذا ، وتماثيل تـُهرب عبر الساحل فى عبارات ، قد تكون كذلك لو ان من كتبها سائح متوهم مُلتبسة مُشاهداته ، ولكن اونداتجى هو من كتب ذلك فرغم ترعرعه فى لندن ، فقد ولِد لاسرة هندية هولندية من ما كانت تسمى فى السابق ( سيلان) وتسمى حاليا سريلانكا منذ عام 1977م ، ومن ذلك المكان استلهم اونداتجى كُل قصائده
فى قصائده يستعرض مقاربة صقيلة للتقلبات التاريخية الواسعة التغيرات التى تضع الحضارات واللغات فى مواجهة بعضها ، خارجة فى اندر الاحوال بنتائج سلمية
فى قصائد المجموعة توصيفات متكررة لعمليات إقتلاع النُصب المقدسة وتسريع تهريبها قبل وصول المزيد من حشود الغزاة ، وهى حالهم فى هذا القرن مثلما فى القرون العشرة الماضية ، حيث استمرت الايديولوجيات والديانات المختلفة فى التصارع المرير فى الجزيرة.
فقد تعرضت جزيرة (سيلان) سريلانكا وشبه القارة الهندية ، مثلها مثل العديد من اجزاء العالم لفتوحات وعصيانات مسلحة لا تـُحصى ، ونتيجة لكل ذلك عرفتا ايضا الكثير من الانزياحات الثقافية والتمازجات القادمة مع المدود المزلزلة عقب مرور الجيوش والقساوسة والمنجمين والمُحاسبين الذين يتبعون عادة هذه الجيوش عن كثب
نعيش فى الساحل القرونوسطي
جنوب ممالك المحاربين
في عصر الرياح الغابر
حين جروا كل شِيئ ورائهم
رهبان قدموا من الشمال
يخوضون حياض انهارنا
في السنة التى لم يأكل
فيها احد من اسماك البحر

وربما تـُضيق الكلمات التى تتكشف فى مجموعته الشعرية " كتابة " مساحة جغرافيا حيواتِ عاشت بأكملها فى نطاق نصف قطر القليل من الاميال ، برغم أمواج الثقافات العاتية التي ضربتهم . بيد ان عروقهم ضاربة عميقا في التاريخ , فى حين لايعرف الشخص منهم العالم فيما وراء القرية المجاورة أبداً , برغم ان الجزيرة كانت معروفة قديماً لدى رسامي الخرائط الإغريق والرومان ومن بعدهم الفرس والارمن والملاحون العرب
قد لا ترتحل حكمتهم التي احتفظوا بها دائماً ابعد من حدود قريتهم رغم تنقل بعضهم ، ولكنها تتجذر فىِ ظـُلمة القرون الوسطي ، وفى زجاج التاريخ المعتم حيث ينسحب الشاعر بذكاء من


حالة الكهانة وقراءة المستقبل ويلتزم بدلا عن ذلك بمحيط الحكي الاكثر رصانة ، واهباً شكره لما هو معروف وايضا للكيفية التى عُرف بها

لم اعد اضمن المستقبل
ولااعرف كيف ننتهى
ولا اين !
رغم ذلك اعرف قصة عن الخرائط

تفشل حالات وشروط العصرنة المُسلم بها فى مناطق العالم الغنية على نحو غير متوقع فى سياق المجموعة الشعرية . فجأة ينقطع التيار الكهربائى مُغرقا الغابة فى ظلامها الاصلى . ظلام رمزى يُبرز بريق الملابس التقليدية والمجوهرات والفخامة التى تـُميز سريلانكا ، ظلام يقدم العون لمستقبل متقلقل ورائع مثل الماضى حيث

السائر على الحبل المُعلق المشدود
من كارونيقالا
حيث اغلق المتمردون المولد الكهربائى
وقف هنا
مُتأرجحا فى الظلام فوقفا

يعرف اونداتجى جيدا سُبل التفانى ، سواء فى سبيل العائلة و الدين او العادات التى تـُغذى الحضارات ويستعملها لاجل توضيح رؤيته الخصبة والصادقة فى آن , هذه المجموعة الشعرية المفعمة بالغرائبية ، تعبير راق ٍ لقدرة اونداتجى على موازنة اللغة برقةٍ ودعةٍ فى مواجهة تقلبات التاريخ الزلقة ، الخطرة التى تخلق عوالم داخل عوالم
مايكل اونداتجى ، كاتب وشاعر كندي – سريلانكى ، اصبح مع السنوات من اكبر كُتاب
المستعمرات السابقة – الذين يكتبون بالانجليزية وتأكدت شهرته العالمية مع رواية
( المريض الانجليزى ) التى حاز بها على جائزة بوكر البريطانية ، وتحولت فيما بعد الي فيلم سينمائي حاز عدة جوائز اوسكار , له العديد من الروايات والمجموعات الشعرية مثل " بيلى الطفل – الاعمال الكاملة" و " بادي بولدن الاسطورة " وفى " إهاب الاسد و" موسيقى بلوز بادي بولدن "