Sunday, June 01, 2008

حليب مراق بين سعدي يوسف وسارة ماغواير

حليبٌ مُراق


يقول الشاعر والمترجم سعدى يوسف ان معرفته بشعر سارة ماغواير كانت عبر انثولوجيا معينه ، ضمت قصيدة لها هى :" حليب مُراق" ويضيف :" قد كدت احفظ القصيدة عن ظهر غيب ، حتى اذا التقيت بالشاعرة لم املك الا ان اردد على مسامعها ما حفظته من تلك القصيدة ، ربما فاجأها الامر الى حد ما ، اذ ليس من عادة الشعراء فى هذه الايام ، ان يعلنوا ، هكذا ، إعجابهم بقصائد سواهم".
ولانه رأى بعد ان قرأ متمهلا مع الوقت ، دواوينها الثلاثة، رأى ان صوت هذه الشاعرة ينبغى ان يُسمع فى ارضها ايضا ، ويخلص الى انها : " ليست شاعرة لغة ، إنها شاعرة حياة مكشوفة ، مكتشفة الان كما لاول مرة ".
دعتنى هذه التقدمة المشهية الى التوغل فى قراءة الشاعرة كما نقلها لنا سعدى يوسف ، دخلت وزادى ثقة مطلقة فى مترجم اكثر من قدير ، ثمة قصور لدى فى ان اضع يدى على وصف دقيق لمقدرة سعدى يوسف الفائقة فى التعريب ، فهل يمكن ان اقول مُترجم فوق العادة ، ودليلى ترجمته الشعرية الرائقة لرواية ديفيد معلوم :" حياة متخيلة- اوفيد فى المنفى " ، التى لم اتوقف عن إعادة قراءتها مراراً وتكرارا ً ، آملة ان اصل يوما الى مثل متانة ورشاقة وشاعرية المفردة ، وسلاسة الجملة وغرابة وجدة استعمالاته اللغوية ، تـُشنف العين وترج المُخيلة وتصل الى ان تـُعطى العمل المترجم قيمة اكبر مما لو قرأته فى لغته الام ، فالمُترجم المتمكن من ادواته ولغاته يثرى الجانب المأخوذ عنه ويـُعيد احياؤه وتنشيط لـُغته ليمنحها اصغاء جديد وانتباه متفاجىء.
تقول سارة ماغواير وبلغة سعدي يوسف : فى قصيدة حليبٌ مُراقٌ
فى مكان ما ، بين هذا الموضع و "دن لاوغير" ، تعطل القارب
وانجرفت ، ساعات ، فى عين عاصفتك
منحنيا من حاجز نحو السكون
تـُراقب ضوء العبارة العنبرى يسقط فى الليل
وعيناك لديغتان وهما تتشوفان مرفأ
فى ما بعد ، ستكتب : ربما لا
ازال فى البحر

يستوقفنى استعماله لـ : " تتشوفان "، اقول لنفسى وبناء على تجربتى المتواضعه فى الترجمة الادبية ، يا لبراعة الرجل كيف عن له التملص من ربقة " تتوقان " ؟..كيف فطن الى التشوف ؟ ، نقول نحن فى دارجتنا : الشوفة واعرة ، اى صعبة . والتشوف اعتى درجات التوق . ان تتشوف ، اى ان تتوق الى ما لا مـُطال ، او الى ماله طائل مع احساس رهيب بالضعف والخذلان والتمارض ، وهذ حال السفائن التى لاتصل الى مرافئها او بالاحرى التى لاتريد ان تصل حتى لاتفقد اسطورتها او يـُفقعُ توقها!! وفى بالى كلمة اخرى اشد وطأة من التشوف ، لن اجرؤ على ذكرها هنا حتى اتأكد معجميا ً من فصاحتها وطبعا حتى لاافشى اسرار صنعتى اللغوية.
كنت فى رواية – حياة متخيلة – لديفيد معلوف وترجمة سعدي يوسف اعجب طيلة قراءتي بسبب مفردات ادهشنى استعمالاتها واتامل تطويعات سعدى يوسف لها فى السياق النصى ، كنت اتتبع ذهنيا ً آلية لحظة النرجمة عند سعدى يوسف واتخيلُ كيف يُقلبُ المفردة التى ومضت فى ذهنه مثل
برق ، وكيف يتذوق وقعها على الاخر ومن ثم وقعها عليه بناء على ما توقعه من ردة فعل المتلقى ليطمئن الى رجاحة شعرية إنتقاءه ، وليتجاوز بذلك السائد اللغوى المتكرر . وكان هذا يحدث سابقا فى نشأتى اللغوية الاولى اثناء قراءاتى لترجمات منير البعلبكى ، كنت اعشق لغته ، وكان بوابتى لعشق اللغه العربية ، ولإستكناه احتمالاتها المُتعددة وطواعيتها لكل السياقات الزمنية ولكل حداثة ولكل ما بعدها . وايضا شغفى ان الُبس لغتى العربية لاجساد لغوية اخرى اظنها باهتة لازيدها رونقا ً وإبداعاً ، وتلك متعة لاتضاهيها متعة فى الدنيا تقول سارة ماغواير فى قصيدتها " بستان العذراء"- بلغة سعدى يوسف :
من قصى الساحل الشمالى
لليونان ، من خفيض شاطىء
هالكيديكى عديم الشجر
تنزلق ثلاث اذرع من الارض
فى بحر ايجه
........
مستافة الضوع
جامعة الازهار
ازهار الدفلى والخبازى

هنا اقف لاعيد فى ذهنى ترجمة النص الى لغته الام لاتأمل صنعة سارة الشعرية ، لأترجم الصورة التى كما تقودنى الى سواحل اليونان التى عرفتها جيدا ، تـُحيلنى " متشوفة" الى رأس الهلال وسوسة وخفيض سواحلها التى تتمدد كسلى على مُنهبط الجبل الغاطس قدميه فى المتوسط يتحسس الماء الازلى ويخضبها بزخرف القواقع ونجمات البحر.
مستافة الضوع !!
تملص سعدى يوسف بذائقته اللغوية المخصوصة المطورة والمصقولة من استعمال
متنشقة" ، وفضل بذكاء لغوى استعمال الضوع بدل العبير ، فالضوع إنتشارٌ متملك ومتمكن لشذى الزهور من الشميم وليس لأى شميم اذ لايمكن لك ان تشم ضوعا ما لم تتملكك فكرة الشىء المشموم ضوعه تماما و تسكنك ، فلقد عرفت اناس كثر لاينتبهون للزهور على حواف الطرقات ولايعرفون اسم زهرة برية من اخرى ولا حتى اسماء زهور الحدائق ، ولعلنا هنا لا نعجب حين نعرف ان الشاعرة الانجليزية سارة ماغواير اشتغلت فى بداية حياتها بُستانية لذلك وبما جاء فى النبذة حول الشاعرة سارة ماغواير ندرك ان الشاعرة تعشق الازهار ، فهى من هجس هذا العشق اعدت انثولوجيا فريدة( النبتُ الشِعرى ) وتضم قصائد عن الازهار والنباتات والاشجار عبر سبعة قرون من الشعر الانجليزى
العين المحبة تلتقط والعين المتأملة توثقُ ، ولذلك لا تـُمر الاشياء لِماماً على الشعراء والكتاب والمهجوسين بالرؤية والعيش القريب من عمق الاشياء . سعدى يوسف شاعرا قبل ان يكون مترجماً ولذا فقد تأمل شاعرية الشاعرة ومن ثم شِعرُها وامتلىء بهما ، إستافهما قبل ان يُقدم على ترجمته . وحين اقدم اوصل لنا قراءته العميقة فى شعر سارة عبر ترجمة امينة رائقة .
تقول سارة فى قصيدة – مازلت فى البحر – بلغة سعدى يوسف :
..................
تصورين نفسك
قربانا تكعيبيا :
مقسمة طولياً حضنك موسوق بالمثلثات.

انا هنا اخرج من سارة ماغواير وسعدى يوسف واتداخل فى ذاتى قائلة اننى اعشق هذه القصيدة لاكتشف اننى لم اخرج منهما ، فلو لم تكتب هي ، ولم يترجم هو ، لما كنت اللحظة اتمتع بالقصيدة وما كنت اتمنى ان يسألنى احد كما يُسئل المطربين عادة : ماهى الاغنية التى غناها غيرك وتمنيت ان كانت لك؟.
ماهى القصيدة التى تمنيت ترجمتها؟ وربما قد يجرؤ احدهم ويقول
ماهى القصيدة التى تمنيت كتابتها وكتبتها سارة ماغواير؟


لحظتها يطل دالى بشنبه السوريالى يتأمل لوحته التكعيبية فيما تهتز " وردة حمراء" كانت مُعلقة فى سماء جرداء


على حافتي شنبه الحادتين حين يشيران للسماء فتطرأ عليه فكرة ان يرسم القصيدة التى كتبت لوحته !

حليب مراق- مختارات شعرية مترجمة – سارة ماغواير ترجمة سعدي يوسف– دار المدى (2003 ) - دمشق


ليلى النيهوم






1 comment:

نوفل said...

http://nofl14.blogspot.com